الشعور الشبح

Dillon Samuelson

اسم الكاتب/ وعد العمري
تاريخ/

يمر من جانبنا، يحرّك الأغصان، يربك الأصابع، يغيّر لون اليوم.. هو ذلك الشعور الذي يمشي معنا كظل يحاصر محيط الأجساد ولا يلمسها!

في حيواتنا جميعاً نمتلك ذلك الشعور البهي الذي يأتي ويذهب، شعوراً جلياً لا يُنسى، ويصبح كلحن أغنية يتكرر في الذهن، أو عطراً يعود مع كل انتفاضة هوى.

نملك أنا وأنت هذا الشعور الذي صنعه شخص ما، كشخص يعرفك على مدينة جديدة،  يصبح فجأة وجه هذه المدينة وجهه وكأنها له وهو حاكمها.

وتصبح الأغاني خلال النزهات ليست كلاماً ولحناً، بل إثبات معنويّ سيبقى في الذاكرة، وشعوراً يشبه في تسلله تسلل الشبح في كل مرة تمر المكان ذاته. وتصبح المقاهي الصغيرة المختبئة في الحارات مخبئاً سرياً من ازدحام الشوارع. 

أجوب المدينة برفقة أحد الأصدقاء وأتساءل داخلي كيف أن معالم المدينة اختلفت وأصبحت طرقاتها المظلمة التي كنت أراها "كئيبة" شاعرية ومدعاة "للهواجيس" التي شكلتني وجعلتني من أنا عليها الآن. 

نقف عند مطل يطل على أنوار أحد أودية المدينة، السيارات تمر كأفكاري السريعة، وكشعوري الذي لا يهدأ، صمت يغلق في وجهي كل فكرة سيئة، أجلس فوق هذا الجبل يصبح تحتي وأنا فوقه أصبح أعلى منه، وتصبح المدينة محددة الحواف فقط لأني أنظر إليها من أعلى وكل شيء حينها يصغر في لحظة شاعرية داخل شعور شاعره.

أعود لغرفتي المطلة على "الدايري الشمالي" وأمامي أنوار المدينة تنطلق بجنون ساحر يغلّف ظلام الليل. أفكر، كنت أخاف في هذه المدينة، أبكي، ولا أحبها كما الآن.. أنام، يوقظني منبهي الذي شكرته هذه المرة على عكس كل مرة يوقظني فيها لأنني في إجازة ولا يتوجب علي الاستيقاظ إلا لاكتشاف هذه المدينة وليس للعمل!

يستيقظ الصباح ويطل علي من نافذتي، يدخل الضوء بخفة روح طفل شقي، أتهيأ لليوم، أرش عطري الشتوي والذي سيعيد إليّ كلما شممته ذكرى هذه الأيام، يا للمفارقة أيام بثقلها وكثافتها داخل زجاجة صغيرة! أذهب لأحد المقاهي المطلة على برج المملكة تحديدا في "العليا"، يغدو ازدحام الشارع بالنسبة لي نوعاً من أنواع الرفاهية وليس كابوساً كما يراه المدينة، أشرب قهوتي ببطء من يريد للدقائق أن تطول أكثر وأكثر حتى لا تنتهي هذه الأيام كآخر قطرة في قاع الكوب.

مرت ثلاث سنوات على هذه الرحلة، وفي كل شتاء يراودني ذات الشعور، يتسلل خلف زجاج ذلك العطر، يتمسك بلحن أغنيتي التي كنت أسمعها يومها، باسم ذلك الرفيق الذي جعلني أحب هذه المدينة .

وعلى ذلك حملت قناعة "الاحتفاء بالشعور" ذاك الذي يأتي بخطوته الواثقة ليذكّرني بأن بعض الأيام لا تُصبح من الماضي لمجرد أنها مضت، بل هي في حاضري في كل مرة تحضر! طالما جاءت وهي تحمل ذات الإحساس الذي شعرته أول مرة.

فلنحتفِ بالشعور الشبح؛ أن نعيد شراء العطر مرة بعد أخرى دون أن ينتابنا طيف الكآبة عند كل ذكرى، وأن نصغي للأغنية ذاتها بالشغف الأول نفسه، وكأن هذا اليوم هو ذلك اليوم في عامٍ آخر.


 



Copyright © Nuss 2023