ذهان عشق

Zara Picken

اسم الكاتب/ سارة الصدّيق
تاريخ/

تدخل غرفة سجلات المرضى، تمرر أصابعها على الملفات لتسحب ملف، ليسقط منه دفتراً صغيراً ترفعه، تنفض عنه بضع ذرات الغبار، تفتحه وتقرأ أول صفحاته:

"الغرق في عينيكَ كان خطيئتي المباحة في شرع حُبك".

لتقلب الصفحة وتغوص في أعماق هذا الدفتر الصغير.

 

كنتَ ولا زلت شخصاً غريباً عني، ولكني شعرت معك بألفة لم أعرفها مع أناس عشت معهم نصف عمري. عالق في رأسي ومتشبث به أنت منذ أن رأيتك، وكثيراً ما تنتابني الرغبة في الحديث معك، أود لو نتجاذب أطراف حديث عشوائي تجمعنا فيه فنجانين من القهوة السادة المرة اللاذعة، يكفيني فيها جلوسك أمامي لتكون حلوة كفاية لشربها، تواقة أنا لرؤية تلك اللمعة في عينيك وأنت تضحك.

أتعلم؟ تقول صديقاتي أن الجنون المحض أن تقع في حب غريب!

إذاً فأنا كذلك؛ أعني مجنونة لأني أعشقك.

أتعلم أحياناً أستغرب حقاً حبي الكبير لك لأنك لم تكن الغريب الأوسم، ولا حتى الأكثر جاذبية ومع ذلك أحببتك وعشقتك لحد النخاع، كنت أنت الغريب الذي يدعس بكل خطوة يخطوها على وتر من أوتار قلبي ليعزف لحناً خاصاً به في تلك السيمفونية المميزة التي لا أستطيع سوى أن أقف مذهولة أمامها وهي تفتك بقلبي وتتلاعب به يمنةً ويسرى.

 

حبي الخالص

منار ماهر

 

***

مرحباً

عِمت مساءً

أكتب إليك الآن من غرفتي حيث الكرسي البلاستيكي وطاولة الخشب العتيقة، أرتشف كوباً من القهوة وطيفك يلوح في مخيلتي، يدهشني احتلالك لكل تلك المساحة من قلبي على الرغم من أنه لم تجمعنا معرفة ولا حديث قط. تلك الوخزة التي أشعر بها في كل مرة ألمحك تُذيب قلبي، في كل مرة آتي لأسكب بعض الأحرف التي أشعرها تجاهك، أتفاجأ بسخاء أحرفي وأنا أحاول أن أصف بعضاً منك؛ لأظفر بك حبراً على ورق.

 

كن بخير

 

***

إلى الرجل الذي أمتلك أكثر من مُبرر لحبه

في ليلتي هذه جُل أمانيّ

أن أتعثر بك مجدداً

أن تكون كل طرقي الوعرة

أتزود برؤيتك وألا أظمأ للقائك أبداً

تُحالُ لقلبي غازٍ

لأرحب بك محتلاً

أن أستدل بعينيك المسار حتى أصل.

 

كن بخير

مع محبتي

 

***

أكتب إليك هذه المرة من الغرفة الصغيرة ذات الجدران الأربع في هذا المكان المسمى "مصح عقلي" تخيل هذه السذاجة هؤلاء المخابيل يظنون أنني مجنونة، يقولون بأنك لست حقيقي، ولكن لا يهم "أنتَ اليقين في دوامة من الظنون".

 

كن بخير

حبي الخالص..

 

***

هذا المساء..

وأنا أدخن أعقاب سجائرك على الأرصفة التي التقيتك بها يوماً، سارحة بخيالي والناس بجانبي يثملون على الخمر والنبيذ، وآخرون يثملون على أقداح القهوة الساخنة، هربت ابتسامة واهية من ثغري لأن في ابتسامتك وسوداويتك كل ثمالتي.

في كل مرة أشتاق لك فيها كنت أشعر بأني أتسرب مني، فكنت أنبش على وجودك فيّ، فأتمسك بك دون رغبة مني في إفلاتك، أعانقك بكلماتي غير عابئة بتسربي مني وأنا التي لا أعرف حتى ما هو اسمك، أنت لوح الشكولاتة الداكنة الشهي الذي انمسخ لشاب أسمر.

"على الحافة يظل الغرباء غرباء، ولكنك ستظل الغريب القريب لقلبي".

 

حبي الخالص

منار ماهر

 

***

من الحياة إليّ "أشياء تعلمتها بالطريقة الصعبة".

مرحباً بكِ يا فتاة دعيني أخبركِ الحقيقة ولن أكذب عليكِ فالحقيقة مؤلمة كما تعلمين، ذاك الضيق، القلق، الحزن الدفين أو حتى الاكتئاب سيدهسك نعم، سيدهسك حتى يجعل العظام التي تحافظ على عقلك متماسكاً تتألم.

انظري يا صبيّة لا شيء سهل، لا الحياة ولا الموت، حتى الآخرة طويلة ولا نهاية لها، الأكيد أن كل شيء سيحاول دهسك والمُضي، ستبكين كثيراً وتتألمين أكثر، ستصرخين ولن يجدي ذلك نفعاً، ستتمني الموت ولن يحدث، لمَ تظني أن الموت طريقكِ للخلاص من البداية، أواثقة من أنكِ ستدخلين الجنة؟!

أم أنك لم تعودي تحتملين جحيم هذه الدنيا ففضلتي تلك؟!

انظري لا مفّر، الألم رفيقك الحزن طمأنينتك، غير ذلك الكل منافق والكل كاذبين.

انظري أنا أيضاً أتمنى لو أتخلص من كل هذا الثقل بداخلي أو أتخلص من العالم، لا أدرى! كِلا الفكرتين تروقني، ولكن العالم مدمر أصلاً ولا يجب عليّ تكليف نفسي عناء التخلص منه، لكن إن وجدت الطريقة سأفعل.

آه ذلك الثقل إنه يقتلني أيضاً، يذبحني من عنقي بسكين حاد ولا مفر.

كلي بكاء مؤجل، بكاء أتبتبه يومياً وأهدهده أحاول الهرب، ولكن، قلبي يبكي، ومدينتي، الظل يبكي، أذناي، وحتى الهواء الذي أتنفسه في أيامي يبكي.

الماء أشربه، الحبر أنزفه، يداي وأصابعي أيضاً تبكي أين المفر وأنا كلي بكاء. أخبريني، إلي أين أفر وكلي يبكي نوارسي، بحاري، زوارقي وكل سفني بكاء، ولا شاطئ لي غير الدموع أرسوا عليها .

لا بأس فالكل منافق، والكل كاذبين.

لذا لا بأس أبداً..

 

منار..

 

***

واحد، اثنان، ثلاثة، أربع، خمس، خصر، بنصر، وسطى، سبابة، إبهام، يدي هذه، أراها، ألمسها، أمسح بها دمعي، أمسح بها خدي، أربت بها على كتفي، وفي زمن لاحق كانوا هؤلاء الخمسة، أحبتي وأصدقائي الذين أعدهم بأصابع اليد أيضاً، الآن أترى كل هذه الصفعات على وجهي من نفس هذه الأصابع.

أخرجت تنهيدة عميقة وهي تقرأ آخر سطر، أغلقت الدفتر الصغير، فتحت الملف الذي سقط منه الدفتر.

اسم المريض: منار ماهر

العمر: 26 سنة

الحالة: ذهان عقلي

 

سارعت بحمل الملف والدفتر وخرجت قاصدة غرفة المدير.

طرقتين على الباب ليأتيها الأذن بالدخول.

المدير: أهلاً دكتور مها السيد، تفضلي.

مها: (وهي تجلس) شكراً دكتور أمجد كيف حالك؟

دكتور: بخير وأنتِ؟

مها: بخير أيضاً.

دكتور أمجد (بابتسامه لطيفة) لا أظن أنك أتيتي لتلقي عليّ التحية وتسألي عن حالي أليس كذلك؟!

أتيتك من أجل هذا (وهي تضع الملف والدفتر أمامه).

(يلتقط الملف ويلقي نظرة).

نعم هذا الملف لمريضة عندنا كانت مصابة باكتئاب حاد، وحين لم ينتبه من حولها لحالتها، تطور الأمر معها للذهان العقلي.

مها: (بتعاطف وحماس) أريد استلام هذه الحالة لو سمحت دكتور.

دكتور أمجد: للأسف دكتور مها لا يمكنك ذلك.

مها: (بسرعة) لم لا؟

دكتور أمجد: كما هو واضح فقد أتيتي بهذا الملف من غرفة السجلات.

مها؟!!  (بعدم فهم).

دكتور أمجد: وجدنا جثة المريضة ملقية على الأرض قبل سنتين يبدو أنها ألقت بنفسها من الطابق الرابع.

خرجت مها بخيبة العالم أجمع والدموع في عينيها "تلك الفتاة المسكينة لم تكن تعاني سوى من نقص احتواء، قادها إلى ذُهان العشق الذي أودى بحياتها".

مساءً في غرفة مها، كتبت في يومياتها:

ذُهان

لخوفها الماضي، تُعانِق الفراغ

الأشباح التي تهرب مِنها، تحاول كسر

الباب تُريد الدخول

في مستشفى الأرواح يدور الصِراع

تُريد هي إسكات نبضاتِه؛

قلبها

ويريد هو الصراخ!

الضجيج الذي أحدثاه أيقظ طيف

عِشقكَ،

يطلب هو النجدة ويريد إطلاق السراح

تحاول لعِب دور الطبيب النفسي؛

وشوشات، همسات، صراخ مدوي

وحيناً ضحِكات،

تحاول ألا تفقد عقلها!

تُريد الخلاص، يائسة وبائسة

غريبة الأطوار

تجد البهجة عند السقوط في وقتٍ

هي قادِرة فيه على الصمود

تُرمم ما بقِي مِنها

آمِلةً في ملء الثقوب

تنزوي في الغرفة،

منكمِشة على نفسها

تُغمض عيناها

لمعانقة الفراغ

لتعيشه مجدداً؛

الألم.

 

تضع القلم، كل ذلك لا يشفي شعورها بالأسى، لا يزيل الغصات من قلبها، جالسة على الطاولة المُطلة على الشُرفة، البخار يتصاعد ببطء من كوب الشاي الذي أمامها، الهواء يعبث بخصلات شعرها والأفكار تجري في رأسها كمِنشار، صغيرة جداً تلك المنار على كل ذلك الحزن، صغيرة جداً لتموت تلك المِيتة البشعة، وصغيرة جداً لتعيش كل ذلك الألم وحدها، تحدق في دفتر المذكرات الصغير بقلب يعتصره الألم والحسرة.

بأسى التقطت القلم مجدداً وبدأت تكتب في آخر صفحات الدفتر الصغير.

 

إلى العزيزة الراحلة منار ماهر

اعذري تطفلي لأني قد قرأت قلبكِ الصغير، آه يا صغيرتي

يا لجمالك ورقتك..

آه لو أنكِ ما تزالين هنا

لربما التقينا في وقت لاحق

ولربما كنا الآن صديقتين، نضحك كثيراً، نبكي كثيراً، نشرب القهوة على طاولتكِ العتيقة تلك، وربما نثرثر عن عزيز قلبكِ قليلاً أيضاً، ربما تخبريني عن وجع قلبكِ وأخبرك أن لا بأس.

كنتُ سأخبركِ بأنكِ جميلة جداً وبأن أمامكِ عِشق لتعيشيه ورجل محظوظ ليظفر بك، كنتُ سأخبرك بأنكِ شجاعة جداً يا عزيزتي لتُحبي بكل ذلك العنفوان.

مساكين نحن، الذين لا نملك نقاء قلبكِ وبساطته، مساكين نحن لأننا لم نعرف الحُب مثلك.

الآن لا أستطيع إلا أن أتمنى أن تكوني الآن في مكانٍ أفضل، محاطة بأصدقاء حقيقيين، عائلة مُحبة، أحضان دافئة، بيت تفوح منه رائحة النعنع، المخبوزات الطازجة، الشاي الساخن والحُب.

مشغولة بطلاء أظافركِ باللون البني، وردة أُقحوان على شعركِ؛ وفستان أحمر فاتن على السرير بجانبك، نزهة عائلية جميلة، وصورة لطيفة لكِ في الشاطئ عند الغروب، وعيناكِ تُشرق منها كل شموس السعادة.

لتعودي بعد يومٍ حافل إلى بيتكِ الصغير لتضعي رأسكِ على صدر عزيز قلبكِ، تستمعين إلى نبضات قلبه كآخر تهويدات نومكِ، لتغمضي عينيكِ وتنامين مطمئنة إلى الأبد.



Copyright © Nuss 2023