هل سبق وكنت تسافر في سيارتك وإذ بك ترى نوراً واعتقدت أن شخص يحمله من بعيد بين تربان الصحراء؟ أو هل سبق لك أن كنت تخيّم في ظلمة الليل الحالكة فترى ذلك النور مجدداً وكأنه يطلب منك أن تلحقه فتعرف ماهيته؟
إن ذلك النور وحامله هو ما يعرف باسم "أبو فانوس" وهو اسم يرتبط في الموروث الشعبي الخليجي، فيُقال إنه كائن أو جني يظهر في الليل حاملاً فانوساً يضيء به الظلام يضلل المسافرين أو يعبث بحواسهم، فيجعلهم يسلكون طرقاً خاطئة بينما يلحقونه راجين أن يكون فرج لضياعهم.
تكررت قصة أبو فانوس في الحكايات التي ينقلها أهل البادية وسكان القرى عن رؤيتهم أضواءً غامضة في الأماكن النائية، وغالباً في الصحراء أو بالقرب من المستنقعات، حيث تتناقل الأجيال قصصاً متنوعة عن هذا الكائن بعضها يصفه بروح هائمة تسعى للعبث بالناس ويرى آخرون أنه مجرد خيال خلقه الخوف من الليل المظلم والوحدة أثناء الترحال.
وتقول إحدى الشهود على هذه الظاهرة: "أبو فانوس هو كائن غامض لم يرَ أحد سماته الجسدية، وهو يظهر لتخويف الناس وتضييعهم ونحن نعلم أننا يجب أن لا نلحقه، فعندما نكون في الصحراء نخيّم أو نسافر نرى في بعض الأحيان نور أبو فانوس ونعرف أنه يريد منك أن تلحقه حتى تتعب وتضيع أو يقودك إلى حافة فتسقط منها."
وعلى الرغم من الطابع الأسطوري لهذه القصة إلا أنه يمكن فهمها علمياً من خلال ظاهرة تُعرف بـ"أضواء المستنقعات" أو "الوهج الناتج عن غاز الميثان"، ففي المناطق الرطبة أو المليئة بالمياه الراكدة تتحلل المواد العضوية فيؤدي ذلك إلى انبعاث غازات قابلة للاشتعال مثل الميثان والفوسفين، وهذه الغازات قد تشتعل تلقائياً عند ملامستها للهواء فينتج عنها وهج يشبه الضوء المتحرك.
وتوجد ظواهر مشابهة معروفة عالمياً مثل "Will-o'-the-Wisp" في الفلكلور البريطاني الذي يُعتقد أنه يظهر ليضلل المسافرين، أو "Hitodama" في الثقافة اليابانية حيث تُعتبر الأضواء أرواحاً تعيش في العالم بين الحياة والموت.
إن محاولات الإنسان لفهم هذه الظواهر الغامضة التي لم يستطع تفسيرها في الماضي هي سبب هذه الحكايات الثقافية التي فسرت في سياق المعتقدات الشعبية، فهنا نرى في سياق الثقافة الخليجية أن أبو فانوس كائن خرافي يظهر بالأماكن النائية فيضفي الرعب ويضلل المسافرين، وكانت إضافة سمات تخويفية لهذه الأسطورة وسيلة لغرس الحذر خاصةً أثناء السفر ليلاً في المناطق الصحراوية الشاسعة.
وبالمثل نجد قصصاً مشابهة في ثقافات أخرى، ففي الفلكلور الأيرلندي والبريطاني يُعتبر "Will-o'-the-Wisp" ضوءاً غامضاً يظهر ليضلل المسافرين في المستنقعات فيجعلهم يتوهون ويتعبون، وأما في الأساطير الإسكندنافية فإن الأضواء تُنسب إلى كائنات شقية مثل الجنيات التي تخدع وتربك البشر فتضلهم الدرب، وكما يُعرف في الفلكلور الهندي أشباح تُسمى "Aleya"، تظهر كونها أضواء غامضة في المناطق المائية والمستنقعات ويُقال أنها أرواح صيادين قد غرقوا في تلك المياه وبالتالي فإنهم يسعون لإغراق الصيادين (الأحياء منهم).
وقد سألنا عدة أشخاص من بلدانٍ مختلفة في حال كان لديهم مثل هذه الظواهر المشابهة، فذكرت لنا إحدى القاطنات في قيرغيزستان: "كثير منا يعيش فوق سفح الجبال ونحن محاطون بالغابات، فنرى أحياناً على الجبال المقابلة لنا نوراً بين الشجر وكأنه نار مخيم كبيرة وهو ما نطلق عليه شون مت (чон от) وهنا ندرك أن البري (пери) وهو جني يتحول من غزال إلى إنسان هو سبب ذلك النور، فنحن لا نخيم في الغابات لأننا نعرف أن هناك غيرنا يسكنها وقد تضيع وأنت تحاول إيجاد ذلك النور".
فنرى هنا أن مختلف تفسيرات هذه الظواهر مثل الأضواء الغامضة قد ألهمت المجتمعات المختلفة لنسج أساطيرها الخاصة وفق بيئتها وتجاربها، ومع ذلك فهناك فكرة مشتركة توحد هذه القصص: محاولات الإنسان لفهم المجهول سواء بالخيال أو المعتقدات.
أبو فانوس هو أكثر من مجرد قصة تُروى؛ إنه انعكاس لخيال الإنسان وفضوله وتعامله مع الظواهر الطبيعية التي كانت في زمن ما غامضةً وغير مفهومة، وسواء كان تفسيره علمياً أو خيالياً يبقى أبو فانوس رمزاً لجانب من حياتنا المليئة بالأسرار التي تجعلنا نتساءل عن العالم من حولنا، فربما علينا أن نستذكر قصة أبو فانوس لنفتح آفاق خيالنا ونتخيل كيف يمكن للضوء أن يقودنا أو يضلنا أو حتى يشعل فينا شغف البحث عن الحقيقة.