ترحال: قصة أداءٍ عظيم وإرثٍ أصيل

رغد الشهري

اسم الكاتب/ رغد الشهري
تاريخ/

 

 

"يا أرضاً يا طُهراً 

يا عِبراً يا عِطراً 

يا زينك يا بلادي"

 

على خشبة المسرح انطلقت "ترحال" لتأخذني في رحلة مليئة بالجمال والدهشة والروعة، حيث يحكي هذا العرض الأدائي السعودي بتنظيم مبهر من وزارة الثقافة، قصة شاب سعودي اسمه "سعد" يهوى الكتب والتقنية ويسعى لشق طريقه نحو المستقبل. يتلقى سعد رسالة من جده تحثه على التعرف على إرثه وثقافته لينتقل في رحلة استكشافية حول المملكة بقيادة امرأة تدعى "حِلم"، وطوال هذه الرحلة يرافقه الشاعر "إرث" لكي يرشده ويلهمه؛ ليكتشف أن مفتاح المستقبل يبدأ من فهمه لهُويته وجذور تراثه الذي لا يتعارض كلياً مع التقدم التقني الذي يشهده من حوله.

هذا العرض المسرحي، الذي تؤديه نخبة من المواهب السعودية الشابة وبالتعاون مع فنانين عالميين، يروي قصة وطن عظيم من قلب الدرعية التاريخية، قصة ماضٍ تليد وحاضرٍ مجيد. يتجسد العرض في مشاهد ولقطات تنبض بالحياة، يصور فيها ثقافة المملكة وتراثها الغني والمتنوع برقصاتها وأهازيجها وموسيقاها الشعبية، وحِرفها وأزيائها التراثية. كما يستعرض عناصر الطبيعة وتضاريس المملكة المختلفة التي حباها الله لهذه الأرض الطيبة، باستخدام أحدث التقنيات المسرحية الضوئية والبصرية مما خلق تجربة حسية مبتكرة ومتكاملة.

ما لفت انتباهي في العرض هو تواجد الخيل في مختلف المشاهد، في تأكيد عميق على مكانته في الثقافة العربية والسعودية على وجه الخصوص؛ إذ ارتبط الخيل عبر التاريخ بالأصالة والشموخ والشجاعة، فكان حضوره تذكيراً راسخاً بالفروسية وما تحمله من معاني الكرامة والعزة التي شكلت هوية هذه الأرض وأبنائها.

كما أثار إعجابي مشهد حرفة السدو، وهي من الفنون العريقة في الجزيرة العربية، حيث تجسد خيوطها وألوانها المتناسقة حياة الصحراء وبيئتها. فالسدو نسيج يحكي قصص البداوة والترحال، ويعبر عن الصبر والإبداع والجمال الكامن في بساطة الأشياء. وقد ارتبطت هذه الحرفة بهوية المرأة العربية التي كانت تبدع في غزلها ونسجها، ليصبح السدو رمزاً للأصالة وإرثاً ثقافياً يصل الماضي بالحاضر.

وفي قلب المشاهد التراثية، يسطع حضور الدحة بما تحمله من هيبة ورهبة؛ رقصة وُلدت يوماً كصرخة حرب تبث الخوف في قلوب الأعداء أو أهازيج نصر، لتغدو اليوم فناً شعبياً يعكس الفخر والبطولة. وحين ارتفعت أصواتها وإيقاعها الحماسي المتناسق، شعرت برعشة في جسدي من عظمة المشهد الذي اختصر الشجاعة وصوت الهوية ورمز الوحدة الذي يتوارثه الأبناء عن الآباء، لتظل حكايتها حية تروى على الأرض جيلاً بعد جيل.

وفي مشهد آخر، يتجلى القلم الذي يكتب به الشاعر كلمة "إرثك" على أرض المسرح، حاملاً دلالته الرمزية المتوارثة؛ فالقلم أداة للعلم والمعرفة، ووسيلة لتخليد الأفكار وتوريثها، وهو تذكير بدور العلم والتعلم في بناء الحضارات، وتخليد الرسالة المرادة من العرض وهي أن نفهم إرثنا ونحفظه ونصونه ونفخر به. 

في الختام، لا يسعني إلا أن أشيد بهذا الأداء المسرحي المذهل؛ فقد كان كل مشهد بمثابة لوحة فنية متكاملة، لا ترى فيه أي خلل أو ارتباك، حيث أدى كل ممثل دوره بإتقان لافت، حتى وإن كان الدور بسيطاً. كما كان الانتقال بين المشاهد سلساً وغير مزعج بصرياً، مع توظيف ذكي للحيز والفراغ على المسرح، لنرى الجمال دون أي انقطاع، ويعكس ذلك مهارة عالية وذكاءً في التنسيق والتنظيم، وماهو إلا نتاج رؤية إخراجية فذة قدمت لنا نقلة نوعية في الأداء المسرحي. 

وانتهى العرض، لكنه لم ينته في قلبي، فقد ظل صدى أحداثه يتردد في ذهني، وأول ما جال في خاطري حينها هو صوت الفنان محمد عبده وهو يقول في أغنيته الشهيرة (فوق هام السحب): 

"إنتِ ما مثلك بهالدنيا بلد، والله ما مثلك بهالدنيا بلد"

بيت واحد فقط، اختزل مشاعري في تلك اللحظة، وأظن أنه عبّر عما أحس به جميع الحاضرين. وهكذا ستظل "ترحال" حية في الذاكرة، غصنا خلالها في عوالم الفنون والتراث، وتشربنا منها فخراً واعتزازاً ببلادنا وإرثها العريق.

 


 



Copyright © Nuss 2023