حزنٌ صار أغنية

تغريد البقشي

اسم الكاتب/ وعد العمري
تاريخ/

في هذه المدينة الجديدة علي، "مدينة الرياض" أغني الأغنيات كما لو أنني أنا من صاغ كلماتها، وقام بتلحينها لتخرج في الشكل النهائي كلوحة فنية ألوانها الصوت والإحساس والنغمة. غالباً ما ترافقني أغنيات أبو صقر، خلال زحمة "الدايري"، بعد الـ12 صباحاً ليصبح الطريق صديقي الحميم بعدما كان عدوي اللدود عند خروجي من العمل ومواجهة وقت الذروة.

 

يغني رابح أغنيته "البشارة" يتغنى بعودة حبيبته بعد الافتراق، وكيف أن عيناها هي البشرى بحد ذاتها والتي أعطته حلم العودة له. أسمع رابح وأنا أفكر بضخامة هذه المدينة بالنسبة لأحلامي، وأتفكر داخلي أن هذه المدينة رحبت بآمالي وآمنت بها، بل ورأيت أمنياتي تتحقق فيها قبل أن أنتقل إليها، وأصبح فعلياً من سكان الرياض، ويطلق على لقب "رياضية" بعد ما كنت "جداوية".

 

أتذكر أول يوم لي عند انتقالي لها، كنت في مرحلة التشافي من صدمة سابقة، كان تعبي حينها يشبه الأصفاد التي توضع حول الأرجل، أمشي، ولكن خطوتي محسوبة، وقصيرة، وثقيلة. كنت أرى أبراج المدينة أعواد مشتعلة، غير جمالية، منصوبة فقط لتسقط علي!

 

كنت أسأل نفسي كيف أبدأ وأنا لم أنته من ألمي وخوفي وقلقي، كيف أقفز من دون أن أسقط، كيف أقف دون أن يختل توازني وأبدو مائلة كشجرة تحب اقترابها للأرض بدلاً من السماء. كيف أنام لأصحو وأواجه حُلمي في الصباح والذي تحقق بأن أمتلك وظيفة في هذه المدينة وظيفة تشبهني، أن أكتب المحتوى، أسرق انتباه القارئين وأوجه سلوكهم، أن أترجم النصوص إلى اللغة الإنجليزية، لغة روحي ليصل النص إلى شريحة أخرى هي المستهدفة أيضاً. كيف أنام لأفعل هذا كله بتركيز؟!

 

أستيقظ بعد عناء طويل مع النوم، أستحم، ألبس، أفطر، أقف عند أحد المقاهي بجانب عملي وأشرب قهوتي، القهوة التي تلطف ألم ليلة البارحة، وتجعل اليوم التالي يوماً جديراً بالعيش برشفة. أعود لسيارتي متوجهة لعملي، أستمع لأغنية رابح: "خلاص"، وهو يقول: "خلاص ابعد أحسن خلاص بعد هذا الألم أتمنى الخلاص" وكأن أبو صقر يوجه هذا الحديث لألمي لرغبتي الحقيقية بالخلاص، الخلاص من الخوف والتعب ونوبات الهلع والقلق الليلي. أصل للعمل، أعمل بجد وحب، وأنسى الخوف.

أعود لمسكني، وحدي، كل شي موجود مكانه كما وضعته البارحة، أمر يؤكد بأنني أعيش وحدي، في مدينة يتجاوز عدد سكانها الـ 8 ملايين نسمة.

 

كان المشي صديقي خلال هذه الأيام، الأغنيات والقراءة والمشي، رشح لي أحد أصدقائي ممشى هادئ وخالي من ازدحام الناس في الدرعية، والعجيب أن اسم الممشى في خرائط قوقل: "ممشى رايق بس مدري وشسمه!" كنت أمشي وأحمل أفكاري معي داخل أكياس غير مرئية، أحاول بالمشي أن أرتبها، أن أحتفظ بما أحبه منها وأن أتخلص مما يزعجني منها، أكتب قصيدة سريعة، أستغفر، أدعو، أتحدث مع والدتي، وأخبرها عن مكاني الجديد الذي استقبل أفكاري الغريبة بصدر رحب. مع كل خطوة تخف حدة الأفكار، وأصبح خفيفة، هكذا بكل بساطة.

 

لم يكن شتاء الرياض حينها شيئاً يزيد من سوء شعوري، على العكس، كان مطرها يغسل روحي بلطف، وضبابها يزيد من حدة رؤيتي، وأعتقد ما جعل بردها دفئاً لقلبي، هم الأصحاب الذين تعرفت عليهم خلال فترة غربتي، كنا نجمع شتاتنا حول "شبّة النار"، ولأننا جميعاً مغتربات، رأينا شعور الوحدة يتبخر بضحكاتنا العالية، وأحاديثنا غير المترابطة، وجنوننا المتعقل جداً. كل صديق في غربتي وفي وحشتي أهداني معنى، كانت نورة الخير، لأنها أول من همّ بمساعدتي عندما اصطدمت بسيارتي، شهد الفرح الذي أعاد لي روحاً كنت أملكها قبل مجيئي للرياض وفقدتها بسبب صدمتي، أريج القوة والحكمة، جنى الهدوء والاتزان. جميعهم لا يحبون سماع رابح ولكنهم يجاملونني ويتمايلون على أغنياته بالإجبار لا بالاختيار، ولكنهم يحبونني دون شروط، وهذا ماكنت أحتاجه بالضبط أو هذا ما نحتاجه جميعاً. الحب الحقيقي غير المشروط، الضحك، القلق الجماعي والخصام الذي يعيدنا لبعضنا مرة أخرى أقوى وأوثق.

 

الساعة الثانية فجراً مدخل الحارة هادئ، لا بشر ولا سيارات، رابح في الخلفية يغني: "كل مابلل مطر وصلك ثيابي، ارتوت كل المعاليق الحزينة، والسحاب بعينك النجلا سرابي والقمر غطى المسافات بحنينه" انعكاس مذهل كالسحر لأن المطر يطرق نافذة سيارتي، مصافحاً قلبي، ابتدأ الحلم بالتجلي، وصار الأمل أرضاً أخطو عليها بثقة بعدما كان حبلاً مشدوداً بين بنايتين لا خطوات فوقه، بل آثار خوف وحزن. 

 



Copyright © Nuss 2023