الهدوء الظاهري كثيراً ما يخدع؛ فالعقل البشري ليس مصفوفة وخوارزميات محكمة، بل هو أشبه ببث مباشر يعرض مشاهد متنافرة من الخيال والذاكرة والاحتمالات، مثل:
«ماذا لو صرخت فجأة في منتصف الاجتماع؟»
يطلق علماء النفس على هذه الحالة: الأفكار التطفلية.
تتمثل في خواطر مفاجئة تظهر بلا مقدمات، حيث يعرض بها العقل نسخة تجريبية مشوّهة من الواقع.
ومن أبرز صورها:
- دراما الكوارث: «ماذا لو ظللت أتحدث خمس دقائق في الاجتماع الافتراضي وأنا ناسٍ أن أفتح الميكروفون؟»
- السيناريو الدخيل: «ماذا لو تخيّل قلت: بابا بدلاً من أستاذ!»
- الذاكرة الثقيلة: «لماذا قلت تلك النكتة ولم تضحك أحد؟»
- الخيال الأسود: «تخيّل أنني ضغطت زر الطوارئ فجأة»
- المبالغة الاجتماعية: «ماذا لو رآني أحد آكل وحيدًا؟ سيظن أنني مكتئب»
- متلازمة المتدرّب الجديد: «ماذا لو أوكلوا إليّ مهمة ولم أعرف من أين أبدأ؟»
والسؤال هنا.. لماذا تطرأ أصلاً؟
لأن الدماغ يحب أن يُلقى افتراض «ماذا لو» باستمرار، ومع الضغط النفسي، تتسرب النزعات الذهنية بشكل عابر، والأغرب أنّ الدماغ يظن أحياناً أنه يحمينا، فيعرض أسوأ الاحتمالات كنوع من التدريب أو التنبيه، والحقيقة أن 99٪ من هذه السيناريوهات لا تحدث مطلقاً.
فإذا وجدت نفسك أسيراً لهذه الخواطر، تذكّر أنك لست وحيداً؛ فهي تراودنا جميعاً بين حينٍ وآخر، وجاءت جامعة كونكورديا لتهون هذا الأمر، حيث أجرت دراسة عالمية عام 2014م ضمّت مشاركين من 13 دولة، ووجدت أن 94% من الناس واجهتهم بالأفكار التطفلية، أي أنّ هذه الظاهرة تكاد تشمل عامة المجتمع.
الخلاصة: وجود هذه الأفكار لا ينتقص منك شيء… بل يؤكد أنّك إنسان طبيعي تماماً.
وقد أثبت عالم النفس دانيال ويجنر من جامعة هارفارد عام 1987م في تجربته الشهيرة ذلك بوضوح، حين قال للمشاركين: «لا تفكروا أبداً في دب أبيض» والنتيجة؟ كلما حاولوا ألّا يفكروا بالدب الأبيض، كان أوّل ما يخطر ببالهم.. دب أبيض!
وهذا بالضبط ما يحدث مع الأفكار التطفلية؛ كلما أمرت نفسك بألّا تفكر، أعادتك لها ذاكرتك من جديد.
إذن.. كيف نتعامل معها؟
- لا تحاربها؛ فالمقاومة تزيدها قوة.
- تخيّلها إعلاناً مزعجاً، وبكل سهولة اختر «تخطّ الإعلان».
- دوّنها في دفتر، وبعد أيام ستضحك عليها.
وإن شاركتها مع صديق مقرّب، قد يفاجئك بقوله: «تأتيني نفس الأفكار!»، فتدرك أنّك لست وحدك، وأن كثيرين غيرك يمرّون بها.
الأفكار التطفلية لحظات صغيرة تذكرنا بأن عقولنا أوسع من واقعنا، وأن أغرب ما يمر في داخلنا يظل جزءاً طبيعياً من إنسانيتنا، قد تبدو هذه الأفكار سخيفة أحياناً، وقد تضحكك لاحقاً، لكن وجودها في الأصل هو دليل على أنّك تشارك فيما جبلت عليه النفوس.
آثرتُ في مطلع مشواري المهني ان أتعامل مع هذه الخواطر بخفة وأبتسم لها بدل أن أُثقل نفسي بها؛ وأجمل ما في الأمر، أنها تحوّلت من فكرة عابرة إلى موضوع أضعه بين سطور هذه الصفحة.