تجري الأقدار على الإنسان منذ ولادته؛ هذه الحقيقة التي تتوارى عنه في أولى سنواته بين كومة ألعابه، واهتمام أهله لضحكاته وصيحاته، وسنوات من الاستجابة لرغباته المحدودة، حيث لم يستوعب أكثر من مساحة المنزل في العالم بأكمله، ولم يستمع أكثر من أحاديث عائلته، وحكايات ما قبل النوم، هذه المرحلة الذهبية في الحياة تجعل كل شيء ممكناً، حيث يعيش أحلامه جل وقته؛ فاللعب بلعبة تشبه صاروخ الفضاء تجسيد لما يريد أن يكون عندما يكبر -رائد فضاء-، غير عابئ بالتحديات القادمة، والفرص المحدودة، والتحولات المفاجئة، وصعوبة النيل، وفرحة التمام.
ولكن عندما نكبر ونلامس الواقع الحقيقي تختلف التوجهات، وتتفاوت الهمم، وتصبح بعض أحلام الأمس مستحيلة وغير منطقية، ومدعاة للسخرية، ومادة دسمة للسمر تحت سماء المحدودية، وننسى أن العظمة طريق طويل، وخطوات متواصلة، وعثرات متكررة، وأحوال لا بد أن تتكيف معها، وليلة هناء في بئرها ماء، وليلة شقاء لا تجود بالعطاء، وكذلك حال الدنيا؛ متغير متقلب، وكأن في دوران الأرض مثال على ماهيتها، فطريق العظمة مسير طويل يحقق لك المستحيل، فقد لا تعي تأثير خطواتك البسيطة فيه في البداية، بل بعد اختفاء عالمك المعهود الذي كان تصورك عن العالم بأكمله، فعندما تتغير الأشياء من حولك اعلم أنك في الطريق الصحيح. استمر في طرح الأسئلة وابحث عن الإجابات، فبها تبصر النجوم لتدلّك، وتدرك المخاطر لتحميك، وتصيد الفرائس لتقوّيك، والهدف المنشود أقرب، وتمام الوصول أدنى، والنيل ليس إلا جبالاً وودياناً أخرى لتجاوزها، فالحلم بضع خطوات، والعزم صبر لحظات، والنهاية حتمية فإما ما تريد أو ما ترسّيك عليه أمواج الحياة الطاغية.