تأملات في خفايا القرار
إن النفس حين تهم باختيار مسارها في الحياة، تظن أنها تمسك زمام القرار بيدها، وأن الطريق التي تسلكها هي محض إرادة، خالصة من الشوائب، صافية من التأثير.
وما ذاك إلا وهم لطيف يزين للنفس ما ألفته، ويخفي عنها ما تشرّبته دون وعي.
فالمرء لا يختار مهنته كما يختار ثوباً من على رفّ، ولا يضع يده على طريقٍ مهني كما يختار سطراً من كتاب، بل هو في غالب أمره ينجرف إلى ما ألف، لا إلى ما أراد، ويقاد بما حفظه قلبه من الصور، لا بما هتف به وجدانه من الرغبات.
عن أُنسٍ يُخاتل النفس بثوب الاعتياد
إن في النفس ميلاً دفيناً لكل ما اعتادته، حتى لتكاد ترى في المألوف منزلة الحق، وفي الغريب ريبةً بلا سبب! وهذا ما أشار إليه في علم النفس؛ هناك ما يعرف بتأثير “التعرض المتكرر” (Mere Exposure Effect)، حيث يأنس الإنسان للشيء إذا ما رآه مراراً، ويسر به وإن لم يفهمه، ويطمئن إليه وإن لم يحبه.
فانظر كيف ينشأ الطفل في بيتٍ يعج بلغة الطب، أو القانون، أو الفن، فإذا به يميل إلى ما نشأ عليه، لا لأنه أدرك قيمته بعين الناقد، بل بعين الطفل التي رأت فيه ما عجز عن وزنه المنطق، فخالطه وجدانه قبل أن تتاح له فرصة المقارنة.
وهكذا قد يصبح الطبيب طبيباً لا بدافع الشغف، بل لأن سماعة أبيه كانت أقرب إلى قلبه من أي حلم آخر، وقد يغدو الشاعر شاعراً لا لأنه عشق اللغة، بل لأن حبر أبيه جرى في عروقه قبل أن يعرف اسمه.
حين تُشاكِل النفس من أسرها ودّه
لكن الألفة ليست وحدها من يسوقنا، فثمة ما هو أعمق وأخفى، وهو ما يسمى المحاكاة اللاواعية (Unconscious Modeling)، وهو أن الإنسان –لا شعورياً– يميل إلى تقليد من حوله، خاصة من يحبهم أو يتأثر بهم.
حيث تحاكي النفس من تحبه، وتتشبه بمن أثر فيها، فتعيد تمثيل حياته لا بوعيٍ واختيار، بل بحبٍ خفي يقنعها أن هذا الطريق "لائقٌ بها”.
أترى ابناً لأديبٍ، أو فنانٍ، أو قاضٍ، يسير على خطاه؟ قد يظن أن ذلك من باب التأثر الواعي، لكنه في الغالب هو العشق الذي تنكر في صورة قرار.
فما أكثر ما نظن أننا نختار، ونحن في الحقيقة نستجيب لنداءٍ قديمٍ، صاغه من أحببنا، ونسيناه.
عن موروثٍ يرفعنا قدراً أو يُقصينا أثراً
ثم يأتي ما هو أعظم أثراً وأشد وقعاً، وهو ما أشار إليه علم الاجتماع، تأثير الإرث العائلي أو المهني (Legacy Effect)، والذي يشير إلى ميل الأبناء لا إرادياً لتكرار المسارات التي نشأوا في ظلها.
الإرث المهني أو العائلي، ذاك الذي لا يكتب في الأوراق، بل يطبع في القلب.
فكم من شاب ولد في كنف عائلةٍ ذات اسمٍ لامع في ميدانٍ ما، فوجد نفسه مسجوناً بتوقعاتٍ سابقةٍ عليه، ومطالباً بأن يكون امتداداً لمن سبقه، لا أن يكون ذاته.
فإن هو سار على خطاهم، قيل: مقلد!
وإن اختار غير طريقهم، قيل: خالف الأمانة، وتنكر للدم!
وهنا تأتي المحنة:
كيف يصنع المرء من اسمه تاريخاً جديداً، لا صدى لغيره؟
وكيف يحمل إرث من سبق، دون أن يمحى أثره في زحمة الأسماء؟
إن عظماء النفوس، هم الذين لم يجعلوا الإرث سجناً، بل سُلّمًا،
ولم يروا في التاريخ عبئاً، بل بداية لكتابة فصلٍ جديد،
فزادوا على المجد مجداً، وأضافوا على النور ضياءً،
هؤلاء لم يقلدوا، بل طوروا.
ولم يرثوا المهنة، بل حملوها روحاً جديدة.
متى تولد بصيرة القرار لا صورته
يحسب الناس أن الاختيار يبدأ حين يُستشار الطالب في رغبته الجامعية، أو حين تقدم الأوراق إلى جهة التوظيف.
لكن الحقيقة أن القرار لا يبدأ في تلك اللحظة، بل يبدأ حين يعي الإنسان إلى أي حد تشكل اختياره قبل أن يُولد.
ذاك هو السؤال الحقيقي:
“هل أنا أعيش رغبتي؟ أم أُكمل حُلُماً لم أصنعه؟”
القرار لا يُبنى على الاندفاع، بل على التأمل.
ولا يثبت إلا إذا استند إلى وعيٍ بما في النفس، وما طرأ عليها من الخارج.
وما أجمل أن يُراجع الإنسان نفسه، لا بخوف، بل بحكمة.
فمن راجع نفسه اليوم، نجا من الندم غداً،
ومن صحا الآن، سلك طريقاً يُشبهه، لا طريقاً فرض عليه.
المهنة مرآة للروح
المهنة التي لا تعبر عن الروح، تبلى سريعاً.
والعمل الذي لا يُرضي النداء الداخلي، يغدو ثقيلاً مهما جلب من مجدٍ ومال.
اختر مهنتك، لا لأنك ولدت في ظلها،
ولا لأنك أُعجبت بها صدفة،
بل لأنك حين أغمضت عينيك آخر الليل،
وسألت قلبك بصدق: “أين أكون على حقيقتي؟”
أجابك دون تردد.
فالمهنة ليست عنواناً اجتماعياً، بل هي امتداد الروح في العالم.
وما أسعد من جمع بين الرغبة، والكفاءة، والرسالة.
وتذكر دوماً:
الاختيار الصادق يبدأ حين نشك فيما حسبناه اختياراً.
وما أعمق الحرية التي تأتي بعد وعي،
وما أصدق القرار الذي يُبنى على صدق مع النفس، لا على صدى من ماضٍ لم نختره.