سيمفونية الغربان

Dillon Samuelson

اسم الكاتب/ ابتسام الحربي
تاريخ/

هناك غِربان تائهة اتخذت من دماغي عشّاً، وصارت تغرسُ أغصاناً شائكة داخله واحدةً تلو الأخرى، كأنه شجرة تدعو عابري السبيل إلى الاستراحة في ظلها. لستُ شجرة، وإن كنتُ كذلك؛ فأنا لست بشجرةٍ باسقة. جذوري لا تضرب الأرض متشبثةً بالحياة، وجذعي هشّ يابس، قد تجيء عاصفة هوجاء يوماً ما، وحينها لن يكون لي مكان على الأرض، وستضيع هذه الغِربان ثانيةً، فلمَ اختارتني إذاً؟

لكني لا أقدر على الاعتراض، لا أملك سوى مراقبتها، فيما هي تتصرف كأنها صاحبة المكان.

أنهت الغِربان بناء أعشاشها الدائرية وسرعان ما ازدانت ببيض أزرق باهت، ليصبح هذا اللون هو طابع أيامي منذ اتخذتني مسكناً لها.

تنعق مرةً؛ وأتجاهلها عمداً متظاهراً بالتركيز على تحضير كأس الشاي الخامس لهذا اليوم.

تنعق ثانيةً؛ أتنهد وأرتشف من الشراب الدافئ الذي فقدتُ الإحساس بلذّته منذ زمنٍ طويل.

يدنو أحدها.. مخلوقٌ أسودٌ ضخمٌ بجناحين عريضين ومنقارٍ حادّ، ينقر على تجاويف جمجمتي بلا انقطاع، فيما ينعب آخرٌ جواره مُشجّعاً إياه.

ترتجف يداي وأتخلى عن شرب الشاي الذي بردَ تماماً، ثم أقف، وأهيمُ في شقتي الضيّقة باحثاً عن أيّ وسيلة تشتت انتباهي عن تلك السيمفونية القبيحة.

تنعق مرةً أخرى؛ بصوتٍ جماعي، وكأنها أوركسترا مجانين.. فأغمض عينيّ وأستلقي على سريري، راجياً أن يغطيني النوم بملاءة الظلام المريح؛ فيتجاهلني، وكأنني غرابٌ آخرٌ أضاع طريقه مع أسراب الغِربان التائهة، هل ما عدت أنا؟ هل صار عسيراً على المرء أن يميزني؟ هل أصبحتُ فرداً منها؟

وهكذا أظل مستلقياً أياماً عدّة.. ثم أضحك من نفسي، يا لي من ساذج! كيف نسيت طبع الغِربان الأصيل؟ ما إن ترَ شيئاً لامعاً جذاباً، حتى ترفرف بجناحيها سريعاً لتخطفه؛ لقد انتزعت مني أثمن جوهرة. ظننتني لا أملكها حتى سُرقت مني، فأدركت حجم ما خسرت حينها، إنها مخبأة في سرداب دامس الآن، خلف أعين صغيرة حالكة السواد، تحت كل تلك الأغصان الكثيفة. لو مدّدت يدي لأسترجع ما هو حق لي، فلا يساورني شك في أنها ستعود إلى حجري دامية ممزقة، وأنا لست شجاعاً كما يظنون، بل أُفضّل ترك الجوهرة في حوزتها، وأبقى أنا تحت الملاءة، دافئة مألوفة عصيّة.



Copyright © Nuss 2023