في رياح التسليم

رائد فوزان

اسم الكاتب/ عبدالعزيز القحطاني
تاريخ/

عزيزي ماتيو،

 

إنها صبيحة الثامن من يونيو من عام 1965م، ها أنا ذا بصحبة والدك نستعد للحاق بالقطار المتوجه إلى العاصمة.

تبدو المحطة مزدحمة هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية. لا عجب في ذلك؛ فاليوم يصادف الذكرى العشرون لتحرير وطننا الغالي، حيث تجتمع أسر البلدة وتتجه إلى محطات القطار لحضور مراسم تشييع أبطالنا وإحياء ذكراهم المقامة في الحديقة العامة للدولة.

في كل عام أزور فيه المراسم، أرى نفس الوجوه المبتسمة بابتذال، وهي تخفي خلفها حزناً صامتاً، يكتفون بنثر الورد من خلف السياج، يتمعّنون للحظات في اسم الفقيد من على قبره، ثم يغادرون، وأكثر ما يلفتني هو أن تلك الوجوه، عاماً تلو الآخر، تزداد خطوط الزمن على ملامحها.

ومن أنا لأسخر من حزن الأمهات على فقد أبنائهن، وإن طال أمده؟!

حتى بعد كل هذه الفترة من فقدك، فإني لا أزال أحتفظ بأشيائك، فقد علّمت دراجتك الهوائية بظلالها على جانب الحائط. وما زالت ثيابك الرثة معلقة على حبل النشر، تنتظرك لارتدائها.

أما عن عربة النقل الخاصة بالزراعة، فما زالت أيضاً تعرج كما تركتها آخر مرة، جراء ما تكبدته من أحمال ثقيلة تعرضت لها طوال فترة مزاولتك لها.

وإن أردت أن تسمع عن أخبار "كاترين"، فلديها طفلان الآن، ولدٌ وبنت. لقد عقدت قرانها بعد وفاتك بأربع سنوات على ابن مهاجر انضم إلينا بعد انتهاء الحرب.

أترامى بين الواقع والخيال منذ تلقي خبر لقاء حتفك في ساحة القتال، وأعيش على بصيص أمل من استيقاظي يوماً لأسمع صرير صوت الخشب من تحت قدميك وأنت تدنو مني لتخبرني بعودتك للوطن، وبين صراع تقبل واقعي المرير بمغادرتك في رحلة لا يوجد لها مسار عودة، ارقد بسلام ابني العزيز، حتى ننضم إليك مستقبلاً.

 



Copyright © Nuss 2023