كيف تقرأ عملاً فنياً؟

تغريد البقشي

اسم الكاتب/ فريق التحرير
تاريخ/

 

 

في إحدى رحلاتك، وجدت نفسك تتجول في شوارع مدينة صغيرة، مستمتعاً بالمناظر الخلابة وروائح المخابز التي تعبق بالأجواء، وبينما كنت تمشي دون هدف محدد، قادتك أقدامك إلى بابٍ قديم مزين بنقوش فنية، وبدون تردد، دخلت واكتشفت أنك في قلب معرض فني صغير؛ جدرانه البيضاء تعج باللوحات من مختلف الأحجام والألوان، توقفت أمام لوحة غامضة، كانت مليئة بالألوان والخطوط المتداخلة، تجسّد شيئاً لم تكن تفهمه من الوهلة الأولى، وشعرت بالارتباك والتساؤل، كيف يمكن لهذه الخربشات أن تكون ذات معنى؟

 

لنقل إنها فطرة!

بداية دعنا نتفق أن تقبّل العمل الفني وقراءته، لا يرتبط أبداً بمستوى تعليمك، وثقافتك، بل هو ارتباط فطري بالدرجة الأولى، فحين نتعامل مع الكلمة التي تحضر بشكل كبير في حياتنا، أو مع الخط والموسيقى، والشعر، والأزياء، والصورة، وحتى الرائحة نستطيع أن نقول إن كل الفنون مستقلة ومرتبطة بنفس الوقت، لكنها تعبر عن نفسها باستقلالية، وحينها كبداية، ستعي فكرة أن الفن لا يشترط فيه أن يكون واضحاً ومحدداً، أحياناً يمكن لـ "خربشة" أو خطوط عشوائية أن تنقل فكرة يعجز "التنظيم" عن إيصالها.

 

الإحساس.. والأبجدية

تستطيع تعلم قراءة الفن، مثل تعلمك للغة معينة، وبدون قراءة أبجدياتها لن تفهمها، وبإطلاق إحساسك وقراءة بعض الأبجديات، ستكون قد قطعت شوطاً كبيراً للانغماس في ذلك الفن، ولو قلت لك أن كل لوحة تقدم لك صورتان، صورة تراها وتشاهدها أمامك، وإذا كانت هذه الصورة جيدة ومليئة بالإبداع والقوة والتناسق، ستجعلك تدخل في الصورة الثانية غير الظاهرة أمامك، وهي التي تعكس لك المعاني، والامتزاجات.. قد تجد قطة برتقالية في لوحة معينة مثلاً! واقعياً لربما لم تشاهد أي قطة برتقالية في حياتك، لكن إحساسك سيقول لك هنا أن انعكاس الضوء عليها، أعطاها ذلك اللون، وبالرغم من أننا تعلمنا كيف نرسم غيمة وكوخاً وشمساً، إلاّ أننا لم نتعلم قراءة أبجديات وطرق مدارس الفن المتعددة، جرب أن تتعلم بعضها، وتتطلع على قواعدها العامة على الأقل؛ لتمزج بين الإحساس والأبجدية.

 

لعبة من خيال

المدارس الفنية التشكيلية كثيرة ومختلفة، وكل واحدة تعالج موضوعاً وطريقة تعبير ورسم معينة.. الكلاسيكية، الرومانسية، الانطباعية، السريالية، والتكعيبية، وغيرها، هي طرق وأساليب للفن، كلها قابلة للصواب والخطأ، وكل معنى توصله هو صحيح وخاطئ في ذات الوقت.

انظر للوحة، هل تشعر بشيء داخلك؟ ارتياح أم نفور؟ هل أثارت بداخلك أسئلة؟ ذكريات؟ هل أدهشتك؟ ابحث عن الموضوع والقصة خلفها.. وما صلة ما فيها من ألوان وخطوط مع بعضها البعض.

 

ابدأ في تأسيس معنى خاص بك

حاول أن تبحث عما وراء الخطوط، تفسيرك للوحة هو تفسير لذاتك، فأنت وجه من وجوه الحضارة، وفهمك لأي عمل فني مثل فهمك لأي كتاب، حيث تقوم كقارئ بسيط بفك الرموز لفهم المعنى.. قف على مسافة معينة من اللوحة وخذ وقتك لملاحظتها بشكل عام، ما هو انطباعك الأول؟ لاحظ كيف تشعر عند رؤية اللوحة، هل هي مبهجة، محزنة، مثيرة، هادئة؟

قم بتحليل العناصر الأساسية مثل الألوان، انظر إلى الألوان المستخدمة.. هل هي ألوان زاهية أم باهتة؟ ما هو تأثير الألوان على المزاج العام للوحة؟ انظر للخطوط والأشكال، لاحظ استخدام الخطوط هل هي منحنية، مستقيمة، متموجة؟

ماذا عن الأشكال، هل هي دائرية، مربعة، غير منتظمة؟ تأمل كيف تساهم هذه العناصر في تكوين المشهد؟ ماذا عن الضوء والظل.. لاحظ كيفية استخدام الضوء والظل لإبراز العناصر أو إخفائها، هل هناك تباين قوي بين الضوء والظل؟

أطلق خيالك في تحديد تفاصيل الموضوع والمحتوى، ما هو العنصر الأساسي في اللوحة؟ قد يكون شخصاً، منظراً طبيعياً، كائناً أو شيئاً آخراً، انتقل إلى العناصر الثانوية، لاحظ التفاصيل الإضافية التي تساهم في إثراء الموضوع الرئيسي.. هل هناك عناصر رمزية أو تفاصيل دقيقة تجذب الانتباه؟

 

التكوين والتوزيع

انظر إلى التوازن والتناسق، لاحظ كيف يتم توزيع العناصر في اللوحة، هل هناك توازن بين الأجزاء المختلفة؟ هل تشعر بالتناسق أو عدم التوازن؟ اسأل نفسك عن المنظور، كيف تم توظيف المنظور؟ هل هناك عمق في اللوحة أم هي مسطحة؟ كيف يتم توجيه النظر داخل العمل الفني؟

اكتشف السياق، حاول معرفة بعض المعلومات عن الفنان.. كيف تؤثر خلفيته وأساليبه الفنية على العمل؟ ماذا عن الحقبة الزمنية، متى تم إنشاء اللوحة؟ ما هي الظروف التاريخية والثقافية التي كانت تؤثر في ذلك الوقت؟

 

التفاعل الشخصي

ماذا تعني لك اللوحة بشكل شخصي؟ هل تذكرك بشيء من تجربتك الخاصة؟ قم بالنقاش والمشاركة، قد يكون من المفيد مناقشة اللوحة مع الآخرين لمعرفة وجهات نظرهم وتفسيرهم.

قراءة اللوحة الفنية هي عملية تتطلب التأمل والتحليل، وبمرور الوقت ومع الممارسة، ستصبح أكثر قدرة على تقدير وفهم الأعمال الفنية بشكل أعمق وأكثر غنى.. حينها، وفقط حينها؛ ستعيش في عالم بلا حدود، وكون لا يشبع خيالك، وجمال يقودك لتذوق حيوات متعددة من الفن والجمال.



Copyright © Nuss 2023