تمر السنوات كاختبارات صامتة تتخفّى في ثوب أيام عابرة، تعلّمنا كيف نقف دون أن نرفع أصواتنا، وكيف ننجو دون أن نطلب النجاة!
وفي هذا الامتداد الصامت والخفي من الرحلة، تولد الإنجازات على مهلٍ متباين: أحياناً بهدوء، وأحياناً بسرعة، وبإصرار، وتخوف، وبثبات، وأحياناً بتراجع.
ولأن الأحلام لا تأتي دفعة واحدة، فهي تمضي متقدمة حيناً، ومتراجعة حيناً، لتمتحن بها عزائمنا، وتختبر صبرنا.
ثم تعود إلينا.. أقوى وأوضح، وأدنى ممّا حسبناه بعيداً.
الحياة كبيرة.. أكبر من الخيال.. تخيّل!
إنها أوسع من أبعد مدى تبلغُه العين في الفضاء، ومن قدرة البؤبؤ على التقاط آخر نقطة تتلاشى بين الضباب واللامرئي؛ هناك تتشكّل حياة أخرى، وبدايات أخرى ومغايرة، تتراكب في طبقات متباينة ومتداخلة.
ومع كل هذا الاتساع المهيب، لا تنفك الحياة عن نسج خيوط خفية تجمعنا بأحداث متشابهة ومتوازية، وتقودنا -مصادفة- إلى أناس يشبهون سجايانا، وقصصنا الأسطورية، وضحكاتنا الهستيرية، وأحزاننا المشتركة التي نتقاسمها كما لو كانت واحدة.
وفي لحظةٍ ما، يتكشّف لك أن هذا الاتّساع ليس ضياعاً، وأن التكرار لا يحمل الملل، بل ينهض كتذكير خفي بأنك ما زلت تسير في الدائرة نفسها، لكن بعينٍ أكثر وعياً!
هو إدراك يسبق الفهم، ورعشة صغيرة تهمس لك:
انتبه.. أنت تتغير.
فنحن بطبيعة الحال، لا نكبر ولا نبلغ النضج دفعة واحدة، ولا نتغيّر فجأة؛ بل نمضي تاركين خلفنا أشياء لا نعلن وداعها، ولحظات لا تحتمل التفسير. وبكل بساطة أو صعوبة، نمضي.. كأننا نفهم أو نحاول أن نفهم!
بينما الحقيقة أننا نتعلم فقط كيف نحمل الأسئلة دون أن نسقطها.
وهذا بعض ما تُمليه علينا مدرسة الحياة ودروسها، أن التغير الحقيقي يحدث بصمت، وأن أثمن ما تهبه لنا السنين، هو حل أحجية الأثر!
وهكذا..
أنا هنا لا أودّع سنة،
ولا أحتفل بأخرى،
أنا فقط أضع هذه الكلمات
كعلامة صغيرة على الطريق،
لأتذكر لاحقاً أنني، في هذا التوقيت تحديداً، كنت أتعلّم كيف أكون أقرب إلى نفسي، وأبتعد قليلاً عمّا لا يشبهني.