الأغنية في الأفلام السعودية

مشهد من فيلم سوار

اسم الكاتب/ فريق التحرير
تاريخ/

تحضر الأغنية في الأفلام السعودية كعنصر يضفي على الفيلم السينمائي بُعداً سردياً، حيث تسهم في تشكيل مساره الدرامي، وتوجيه إيقاعه العاطفي، وبناء الشخصيات، إضافة إلى استحضارها للذاكرة الجمعية. فحين يختار الفيلم أغنية بعينها، فإنه يستدعي زمناً، أو يكشف عالماً داخلياً، أو يمنح الحكاية امتداداً في الوجدان الجمعي.

وتختلف الأغنية عن الموسيقى التصويرية في أنها تدخل الفيلم محمّلة بتاريخها الثقافي والوجداني، وبما راكمته في ذاكرة المجتمع عبر سنوات طويلة، فيستثمرها الفيلم بما تختزنه من معانٍ وذكريات، فتمنح المشهد عمقاً يضاهي ما تمنحه الصورة وحدها. وبهذا أصبحت الأغنية في الأفلام السعودية جزءاً من لغتها وأدواتها السردية، إذ يلتقي من خلالها رصيدها الثقافي والوجداني بذاكرة المُشاهِد، فتبدأ الحكاية من أرضية شعورية مشتركة، وتكتسب الشخصيات والأمكنة والأزمنة حضوراً مألوفاً وصادقاً.

 

شرطان الذهب (فيلم نورة)

ما إن انساب لحن «شرطان الذهب» في إحدى مشاهد الفيلم حتى بدا الزمن وكأنه يستعيد صوته القديم من زمن التسعينات الميلادية، فأعادت إلى المشهد روح تلك السنوات بما فيها من عفوية، وخفة، ودفء. لقد امتد أثر الأغنية إلى بناء شخصية نورة، فكشفت عالمها الداخلي، الذي يحمل خفتها، ويعكس نظرتها المشرقة إلى الحياة. وحمل اللحن الإيقاع نفسه الذي يميز شخصية نورة؛ بسيطاً، ومنفتحاً، ومفعماً بالبهجة. ففي كل إيقاع تتجلى ملامح شخصيتها، وإقبالها الصادق على الحياة الذي يميزها. لتمنح نورة روحاً تنتمي إلى زمنها.

 

 

نحلم (فيلم أغنية الغراب)

أما في فيلم أغنية الغراب، فتأتي أغنية «نحلم» بوصفها الامتداد الوجداني لشخصية ناصر، فهي جاءت لتكشف عالمه الداخلي. ففي الوقت الذي يبدو فيه البطل أسيراً لواقعه، تفتح الأغنية نافذة على ذاته الأخرى، الذات التي ما زالت تؤمن بإمكان حياة مختلفة. ومن خلال كلماتها ولحنها، تصبح الأغنية جزءاً من تكوين الشخصية، والقوة التي تدفعها إلى مقاومة الاستسلام. ولهذا تبدو الأغنية أقرب إلى صوت ناصر الداخلي، فهي تعبّر عما يعجز عن الإفصاح عنه، وتمنح المشاهد فرصة لرؤية ما يخفيه خلف صمته ونظرته المترددة. وبذلك تسهم أغنية نحلم في بنائه درامياً، إذ تجعل المشاهد يدرك أن ما يحرك ناصر ليس ما يملكه في واقعه، وإنما ما يحتفظ به من حلم لم يفقد قدرته على مرافقة خطواته.

 

ضمّيني (فيلم سوار)

أما في فيلم سوار، فقد جاءت الأغنية في النهاية، حيث كانت الكاميرا تقترب ببطء من نورة، وهي واقفة قرب نافذة نصف مفتوحة، حين بدأت أنغام "ضميني ضميني.. من يسار ومن يمين" تتسلل إلى المشهد. لم تكن الأغنية مجرد خلفية موسيقية، بل كانت حالة شعورية كاملة، كأن اللحن نفسه يمد ذراعيه ليعانق البطلة، فيحوطها من الجهات كلها. كل نغمة حملت دفئاً يذيب المسافة بين الشخصية والمشاهد، وكل كلمة جاءت كترجمة صادقة لما يعتمل في داخلها من حنين ورغبة في الاطمئنان. فالأغنية كانت تعيد رسم الإطار العاطفي للحكاية، وتغلق على البطلة لحظة ضعفها ببطانة موسيقية، لتظل هذه اللحظة حاضرة في ذاكرة المتفرج بصوتها كما بصورتها.

ومع تلاشي الصورة وبقاء الشاشة السوداء، انتقلت الحكاية إلى الأغنية، لتتولى إغلاق الحكاية. هي الباب الأخير الذي تعبر منه إلى خارج العالم الفيلمي، لكنها لا تدفعك للمغادرة خالي الوفاض، بل تتركك محمّلاً بإحساس خالص، تصحبه نغمة ترافقك خارج الشاشة، وتواصل سرد الحكاية في أعماقك بصوتٍ لا ينقطع.

«ضميني ضميني من يسار ومن يمين

ضميني ضم الصغير اللي يحبونه هله»

 



Copyright © Nuss 2023