نعم هذا هو ما أصبو إليه من هذا المقال، البطء والتأني عزيزي القارئ في كل شيء، فالسرعة والتشتت أصبحتا متلازمتان للإنسان الحديث، فمحاسن البطء عديدة لا حصر لها، من أهمها بوجهة نظري "الراحة النفسية" التي باتت معدومة إلا قليلاً.
يقول كونديرا في روايته البطء: "عندما تمر الأشياء بسرعة، لا يمكن لأحد أن يكون واثقاً من شيء ما، من أي شيء، حتى من ذاتهِ نفسها".
أما عن سبب كتابتي لهذا المقال، فهو التأمل بالدرجةِ الأولى لصيحات أصبحت حولنا في كُلِ مكان منها: القراءة السريعة، التعلم السريع، بل وحتى العلاج السريع الذي نسعى من خلاله إلى نتائج فورية، فنبدأ بالحلول الأخيرة؛ للحصول عليها!
التكنولوجيا وما أدراك ما التكنولوجيا هي المُساهم الأول في هذه السرعة، فهي لم تسرّع فقط من وتيرة الإشباع، بل خلقت احتياجات ورغبات لا تُعد ولا تُحصى، مما دفع الإنسان إلى السعي الدائم وراء إشباع رغبةٍ تلو الأخرى. كما أن التكنولوجيا لم يقتصر دورها في عملية الاشباع فحسب، بل ساهمت مُساهمة رئيسية في خلق ضغوطات اجتماعية هائلة.
فأن تعيش هذه الحياة بسرعةٍ وبعجل يعني أن تكون الحياة أكثر سطحية، فالسرعة تجعل من الإنسان مندفعاً ومتعجلاً ومشتتاً، ويُفضل الكمّ على الكيف.
لا أخفيك عزيزي القارئ أن الحراك العالمي ضد السرعة قد بدأ بالفعل ومنذ زمنٍ طويل، نعم فإيطاليا كانت من أوائل رواد هذا الحراك العالمي بتأسيسها لمجموعة من الحركات في مقدمتها "حركة الطعام البطيء"، و"حركة المدن البطيئة" ثم "حركة الطب البطيء".
يقول الخبير الاقتصادي كلاس شواب في خطابه خلال القمة العالمية للحكومات "إننا نتنقل من عالم يأكل الكبير فيه الصغير إلى عالم يأكل السريع فيه البطيء".