من مزايا الأغنية الشعبية في الستينيات والسبعينيات أنها دوّنت تفاصيل الحياة المعاشة. ولم يأتِ هذا التدوين بدافع التوثيق، بل جاء فطرياً وعفوياً، لذلك، ومع مرور الزمن، تحولت تلك التفاصيل التي تغنّى بها المطربون إلى وثيقة اجتماعية يمكن من خلالها رصد ملامح المجتمع السعودي في تلك المرحلة. ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا المقال ثيمات عاطفية واجتماعية شكّلت ظواهر بارزة في نصوص الأغنية الشعبية.
كان استحضار السيارات من أبرز الرموز التي استعان بها شاعر الأغنية الشعبية لتأثيث نصّه بالتفاصيل الحياتية. وقد جاء هذا الاستحضار على عدة حالات؛ فبعض النصوص كانت تتغنّى بالسيارة وخصائصها، مثل أغنية: «الله على وارد الستين»، و«على الهون يا موتر جي إم سايقه بطران»، و«في مرسيدس ركب له أقزوزين».
أمّا الحالة الثانية فهي الربط بين المحبوبة والسيارة التي تمتلكها، كما ورد في أغنية حجاب بن نحيت، حيث أصبحت المرأة تُعرَف بطراز سيارتها: «با أبيض شفر ستة وستين يعرف يستاهله أبو الثمان الرهافي».
بينما تتمثل الحالة الثالثة في تحوّل السيارة أحياناً إلى مكانٍ للموعد الغرامي ذاته، مثل: «يا ليت منهو معك يا زين.. تاكي على سيت سيارة». ومن الجانب الفني نلاحظ أن ذكر السيارة إمّا أن يتصدّر الأغنية في البيت الأول مثل: «يا راكبين الشفر ردّوا حبيبي عليه»، و«غضّ النهد مرّني في وارد السبعين»، أو يأتي كإشارة عابرة في أحد الأبيات، كما جاء في أغنية «البارحة سهران ما نمت» «شفته نزل من موتر سبورت يا ليتني قايد دركسونه». وكذلك في أغنية «ألا يا هل الهوى قلبي تفتّت» التي جاء فيها حضور السيارة وأنثى النص بمشهدية قائمة على ذلك المرور العابر للسيارة الذي يُذكَر فيه مكان جلوس تلك الفتاة: «في موتر بنز لوحاته مؤقّت.. على سيت الورى لا واعذابي».
واللافت أن أنواع السيارات المستحضرة متعددة ومختلفة، ومنها حتى سيارات النقل مثل «التاكسي»، كما في أغنية: «يا راعي التاكسي شلّني واكسب المعروف». وأيضاً سنجد استثماراً لمكان جلوس المرأة كصورة جاذبة لمخيّلة الشاعر:
التكسي اللي شفت أنا اليوم
بعد العصر في السوق وافاني
فيه الحبيب اللي حرّمني النوم
متراكي في سيت ورّاني
لكن السيارات الفاخرة تحتل الحضور الأبرز، وخصوصاً السيارات الأمريكية. وهذا الاستحضار يمنح دلالة على المكانة الاجتماعية، وهي مفارقة تستحق التأمل؛ ففي أغلب الأغاني الشعبية نرى الحارة والسوق الشعبي كإشارات تمنحنا صورة اجتماعية بسيطة، بينما عندما يظهر ذكر السيارة نجده ينحاز إلى سيارة باهظة الثمن. ولعل شعراء ذلك الزمن كانوا يصنعون من محبوباتهم حالة أرستقراطية عابرة من خلال هذه الرمزية.
وقد كانت سيارة الكَدِلك الأبرز في هذا الحضور، ويبدو أن بين المرأة وهذا النوع من السيارات ألفةً وتناغماً أغرى الشعراء على الربط بينهما، كما في الأغنيات:
يا راكب الكدلك قلبي بيندهلك
نطحني على الكدلك حبيبي بعرض السوق
بالكدلك اللي أزرقٍ لوحه.. اللي انعدم من كثر ما أجيكم
قد تكون الإشارة إلى نوع السيارة حالة رثائية من الشاعر على مجدٍ مادي توارى وانقضى بسبب الظروف الحياتية، ومثال ذلك أغنية «يا الله يا دائم اللي ما يموت» التي تغنّى بها العديد من المطربين الشعبيين:
بعد الكدالك وتشكيل الفروت
مع عجة السوق قمت أمشي قدَم
ويأخذ حضور السيارة من نوع الكدلك امتيازاً، وفي ذات الوقت دلالة على التعالي والغرور:
مغرور بالفضة وبالماس
وبالكدالك والتجارة
وقد يكون حضور بعض أنواع السيارات علامة على الندرة، كما في أغنية سلامة العبدالله:
يا لتندر البرد يا المذكور
الله يجيرك من الباسي
راعيك كانه يطيع الشور
قل له ترفّق على الناس
بل إن الأمر قد يتجاوز إلى حد الدعاء على السيارة:
عسى الفولفو اللي قاصد يشيل حدا الخلان
يوصل دياره ثم يشطب طبلونه
إنّ ذكر السيارات في الأغاني الشعبية يحمل ثراءً شعرياً ومدلولات اجتماعية واضحة، ولهذا سنستعرض السيارات التي شكّلت صورة عاطفية يمكن القول إنّها تمثل أرستقراطيات الأغنية الشعبية.
(1)
ستٍ وسبعين بيوك إلكترا
يتغنّى المطرب عيسى الإحسائي في هذه الاغنية بسيارة المحبوب، ويرى أن هناك تناغماً ما بينهما. كما يوثّق الشاعر نوع السيارة «بيوك إلكترا» وموديلها 76، وهذه الإشارة الزمنية حفظت للأغنية تاريخها. ونلاحظ أن تفاصيل السيارة في هذه الأغنية قد استحوذت على أبيات القصيدة، وتوارى المحبوب في ظلّ هذا المديح لتفاصيلها، فهو يشير إلى مراتب السيارة ولونها: «الرتوب أبيض واللون أخضرا»، ويذكر خصائصها كذلك بقوله: «فل أوتوماتيك وكل ما فيه فَلّه، وارد أميركي ثمان سلندرا». ويبدو أنّ الشاعر معجب بسيارة البيوك إلكترا وراعيها، لذا تغنى عيسى الاحسائي مرة أخرى بأغنية «هيه يا راعي البيوك» وهو يكرّر التغنّي بالمعنى ذاته، ولكن هذه المرّة دون سرد تفاصيل السيارة، بل يكتفي باستعطاف المحبوب وطلب الوصال:
«هيه يا راعي البيوك إلكترا..
ليت لي حظ بيجمعني معاك»
(2)
بيوك 77
السيارة، بعيداً عن السياق المعتاد الذي تُوظّف فيه، قد تحضر في موقف درامي مختلف، كما حضرت بشكل لافت في أغنية «على الطريق الدعِيّة» التي تغنّى بها عيسى الإحسائي. فقد شهدت الأغنية حواراً بين الشاعر وتلك الفتاة التي استنكرت عليه قِدم موديل سيارته، قائلة:
«شِفْ موترك وش موديله.. جاني يقرقع بويله..
على مسافةٍ طويلة. مكينته مزعجتني»
هذا التهكّم دفع الشاعر إلى اتخاذ قرار شراء سيارة جديدة «بيوك» حتى وإن كان ثمنها بالدّيْن، فيقول:
والعصر يا بنت رايح.. آخذ بيوك أعجبتني
والله لأروح الوكالة. وأفك موتر بداله
جديد تحت الكفالة. مهما الظروف أتعبتني
ثم نصل إلى خاتمة هذا المشهد الدرامي الذي قدّم حواراً فكاهياً بين الشاعر والفتاة التي دفعته للبحث عن رضاها بشراء السيارة، ليقول أخيراً:
شَرَيتْ موتر مِكيّف.. لا شافه الحلو كيّف
يجي بثوبٍ خفيف.. ويرتكي فوق متني
(3)
بونتياك أدهم
مدعوجةُ العين تركب بونتياك أدهم
فيه البِكم يشتغل أشكال وألواني
وفي أغنية بشير شنان «الله أكبر على اللي مر ما سلّم» نصادف حالةً أرستقراطية أخرى لمدعوجة العين التي تركب سيارة من طراز بونتياك. ويضفي الشاعر خصوصية محلية حين يصف لونها بـ «الأدهم». كما يمنح وجود البِكم, وهو جهاز تشغيل الأسطوانات السيارة مزايا إضافية، ويعزّز الذائقة الطربية لمدعوجة العين التي تستمع للأغاني عبره بمختلف ألوانها الغنائية، في تماهٍ مع ترفٍ طربي يعكس ترفاً اجتماعياً لامرأة تمتلك مثل هذا النوع من السيارات.
وقد جاءت الإشارة إلى السيارة هنا ضمن عملٍ مؤثّث بالإشارات المكانية التي استحضرت سوق الذهب وأحياء الشميسي والملز، إلى جانب التوقيت الزمني في عبارة «عصرية السبت»، مما أكسب المشهد عمقاً محلياً واضحاً ومشهدية بصرية تعمق حضوره في الذاكرة.
(4)
مرسيدس أخضر
مرّني في مرسيدس أخضر نظيف
وارد الألمان، توّه مشتريه
يُعدّ التنويع في طرازات السيارات إحدى السمات اللافتة في الأغنية الشعبية. وفي أغنية «يا هل الريان» التي أدّاها الفنان عيسى الإحسائي، تحضر سيارة المرسيدس بوصفٍ دقيقٍ لطرازها ولونها وتوقيت شرائها، بل وحتى نظافتها. ورغم أن هذه التفاصيل تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى تقرير معلوماتي عن السيارة، فإنها، مع حالة الغناء، تتحوّل إلى مشهدٍ بصري كامل، كأن المتلقي يشاهد عبور تلك السيارة أمامه. لكن المرور العابر للسيارة خلقت قصة درامية جعلت العاشق يفقد توازنه ويسقط على الرصيف، ويذهب للاستعانة برجل المرور:
أرتبشت وطحت أنا فوق الرصيف
ورحت للعسكري أبغي أشتكيه
لكن الجندي ينبّه العاشق إلى لوحة السيارة، والتي تشير إلى المكانة الاجتماعية لتلك الفتاة، والتي ذكر أن من صفاتها «داعج العينين»، وهو وصف مفضّل للمرأة عند شعراء الأغنية الشعبية في تلك الفترة الزمنية:
«شوف لوحة بيب مرسومة عليه» ويتناغم هذا الرمز مع وصفٍ آخر يشير إلى حياة الدلال والترف التي تحياها الفتاة:
ما ربّى في برّ، عايش وسط سيف
كل ما يطلبه بالسرعة يجيه
إن هذا التناسق بين نوع السيارة والرمز الاجتماعي لم يكن عبثياً؛ فقد اختيرت المرسيدس هنا لتكون مفتاحاً درامياً تُبنى عليه القصة العاطفية في الأغنية.