تزايدت أعداد المحتوى العربي بأنواعه، وخصوصاً المحتوى المرئي والمسموع، وبين هذه الخيارات الكثيرة للمواضيع المتعددة أجدني -وكثيرين مثلي- نميل إلى النوع القصصي الذي يتناول السير الذاتية للأشخاص، ففيها سحر عجيب، سواء كان مكتوباً أم مسموعاً، ولكن ماذا نستفيد ونتعلم منها؟
عندما نقرأ السير الذاتية ننغمس وننتقل إلى عالم الكاتب، وكأننا نعيش معه قصته بمنعطفاتها، وعندما نسمعها، ونرى تعابيره أثناء سردها نشعر وكأنه لا يصدق أنه يوماً ما كان في بداية الرحلة للنجاح في الحياة، وأن كل ما عاناه سيمر، وسيرويه بطعم الانتصار فنتوق إلى أن نعيش لحظة نقل قصتنا للعالم.
المشترك في كل القصص، والحقيقة التي تتكرر هي أن الطرق الوعرة أكثر متعة، وهذا يلامس الواقع فنحن لا نروي رحلاتنا التي لا تتجاوز مدتها الساعتين، ولكن في الوقت ذاته نتلذذ بسرد رحلاتنا التي تستغرق ساعاتٍ أكثر، وتتطلب السير في طُرق أكثر صعوبة؛ لأنها تحمل بين خطوطها لحظات متباينة المشاعر، ومواقف غير متوقعة، وهذا ما تُعلّمنا إياه السير الذاتية، أن الرحلة طويلة، وتحولاتها مُفاجئة، وأننا سنعتاد طعم الخسارة، والرفض حتى نحظى بطعم الفوز، وأن الفرص قد تُولد فجأة من غير إرهاصات، وأننا سنكبر في أثناء الرحلة ليس على مستوى العمر فقط بل على مستوى المعرفة أيضاً، وأنه لا يوجد مسار واحد يقودنا نحو وجهتنا، وأنه رغم كل هذا في نهاية المطاف سنمتن لكل اللحظات التي عشناها.
نحنُ الآن نسير في سطور قصتنا فحَرِيّ بنا أن نستمتع بكل طرقها، وما فيها، حتى إن وصلنا لمشارف نهايتها، وحان وقت أن نحكيها نجدها مليئة بما يُلهم الآخرين، ويستحق أن يُروى لهم ويصلهم، وفي هذا أستذكر ما قاله والد المخرج الإبداعي معاذ الحربي ناصحاً ابنه: "استمتع بالتجربة والرحلة أكثر من حرصك على الوصول، فالوصول نهاية".