حين يُهزم النسيان

Bill Zindel

اسم الكاتب/ أزهار العرف
تاريخ/

 

لقد أنعم الله علينا بنعمة النسيان؛ نعمةٌ تحفظ للروح قدرتها على الاستمرار، وتحميها من الغرق في دوَّامة الذكريات المؤلمة، رغم أنها قد تبدو نقمةً أحياناً حين تتوارى ملامح لحظاتٍ تمنينا لو بقيت معنا أبد الدهر، فالذاكرة البشرية محدودة، عاجزة عن إيقاف الزمن أو إعادته، وهنا تتجلَّى عظمة التصوير؛ ذلك الفن الذي انبثق نوره الأول على يد الحسن بن الهيثم يوم ابتكر "القُمرة" قبل قرون مضت، لينفتح للإنسان بابٌ جديد إلى الماضي، بابٌ ظل يتطور حتى غدا في الكاميرا الحديثة أداةً تقاوم النسيان، وجسراً يعيدنا إلى ماضينا مهما ابتعدنا عنه. فالصور ليست مجرد لقطات جامدة، بل حياةٌ ثانية تُوهب للحظة بعد أن تمضي، توقظ ما دُفن في أعماق الوعي وتستدعي المشاعر كأنها التُقطت بالأمس، ومن صورة واحدة قد يعود صوتٌ غاب، أو تشرق ابتسامةٌ رحلت، أو يتجدد شعورٌ عابر في ليلة غير عادية.

 

ولطالما أذهلني شغف والدي بالتصوير؛ فلم يكن يرضى باللقطات العابرة، بل كان يغوص بعدسته في أعماق الحياة، يلتقط تفاصيلها بالصورة حيناً وبالفيديو حيناً آخر، كأنه يخشى أن يفلت شيء من ذاكرته؛ فوثّق رحلة ابتعاثه إلى أمريكا، ومسيرته الطويلة في الخدمة العسكرية، وليلة زفافه التي اقترن فيها بشريكة عمره، ومولد أبنائه واحداً تلو الآخر، وحتى خطواتهم الأولى، ثم جاء أحفاده ليجدوا نصيبهم أيضاً من عدسته، يلاحق ضحكاتهم البريئة وحركاتهم الصغيرة، كأنه يكتب تاريخ حياته بعدسته لا بقلمه. 

 

كان يصر على أن يخلِّد اللحظات، لحظةً بلحظة، وحتى مع تغير الزمن وغياب الألبومات الورقية وذواكر الكاميرا الصغيرة، أصبح جواله أرشيفه الجديد، فكان يحرص على أن يحمل بين يديه ذاكرةً لا تخونه، ويشتري أكبر مساحة تخزين ممكنة؛ ليوسع للذكريات مكاناً لا يضيق ولا ينفد، وحتى في أصعب لحظاته، طلب أن نصوِّره وهو على سرير المستشفى باسم المحيَّا؛ ليستذكر بها نعمة الله ويحمده على العافية.

 

ورحل أبي، طيَّب الله ثراه وجعل الفردوس الأعلى مثواه، تاركاً خلفه إرثاً بصرياً عامراً بالحكايات، حاملاً في قلبه يقيناً بأن الذاكرة وحدها لا تكفي، وأن ما توثقه العدسة هو الأمان من غدر النسيان؛ كأنما أراد أن ينتصر عليه قبل أن يغلبه.

 

ولندرك أن ما تحفظه العدسة من صور وفيديوهات ليس مجرد أرشيف عابر، بل ذاكرة حيَّة تحفظ ملامح من نحب وتستعيد لنا ما قد يتوارى خلف جدار النسيان، هي شاهد صادق على أن الإنسان مهما ابتعد، تبقى آثاره حيَّة في ضحكة مُلتقطة، أو نظرة موثَّقة، أو مشهد خُلَّد بلقطة غدت أصدق من الذاكرة نفسها، غير أنها لا تمنحنا الدفء ولا الشعور ذاته دائماً؛ فقد تحتوينا بضحكة الأمس، كما قد تجرحنا بوخز الغياب، فتختلط دمعة الشوق بابتسامة الحنين، إنها تختزن تناقض المشاعر كلها؛ مرآة للفرح تارة، ونافذة على الألم تارة أخرى، ومع ذلك، يبقى أثرها خالداً، لأنها تحفظ للحياة أثراً لا يمحوه الزمن.

تمضي اللحظات، وتبقى تلك المصوّرة منها لتمنحها حياةً أخرى؛ حياةً شاهدةً علينا وعلى من نحب، ما دام فينا قلبٌ يحن وعينٌ تتأمل. 

 



Copyright © Nuss 2023