في حوار ممتع وثري عن عوالم الرواية ودهاليزها، عن السينما حين تتسلل إلى أرواح الكتّاب، وعن التعالق والتلاقي فيما بينهما، عن "عين الحدأة" الرواية المرشحة للجائزة العالمية للرواية العربية 2024، كان هذا الحوار الشيّق مع صالح الحمد:
- ماذا يعني لك ترشيح روايتك للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2024؟
يعني الكثير دون شك، فالجائزة تُساهم بشكل ملحوظ في تسليط الضوء على الروايات المُرشّحة، مما سيشجّع شريحة أكبر من القُرّاء على انتقائها.
- ذكرت في إحدى حواراتك أن لديك رغبة لدخول عالم السينما ككاتب، سؤالي هو: هل ترى أن الروائي يمكن أن يكون سيناريست ناجح؟
ممكن؟ نعم، لكن ليس بالضرورة. الروائي الذي يعرف كيف يخبز حكايةً مكتملة الأركان من حبكة محكمة وشخصيّات ناضجة وتفاصيل مُثرية بإمكانه أن ينقل حكايته للشاشة الكبيرة، بشرط أن يستوعب أن أدوات السينما تختلف عن أدوات الرواية.
- يعترف الروائيون الذين اتجهوا للكتابة للسينما أن تقنيات السينما انعكست إيجاباً على أسلوب كتابتهم من حيث عنصر التشويق، التقديم والتأخير في الأحداث، وأيضاً الاقتضاب، وطرح ما لا يلزم، هل ترى أن السينما، أو على الأقل تجربتك في الدخول في مجال الكتابة للسينما ساهم في تغيير نظرتك في أسلوب الكتابة للرواية؟ هل أصبحت ترى الرواية من زاوية أخرى؟
نشأت على حب السينما والأدب معاً، مما انعكس إيجابياً على كلتا التجربتيّن. فحين شرعت في كتابة الرواية، كنتُ مهتماً أن يكون السارد مثل الكاميرا التي تصوّر المشهد بأدق تفاصيله. وفي تجربتي في كتابة النصوص السينمائية، كنتُ مهتماً أن تخرج الشخصيّات بشكل ناضج. بعبارة أخرى، أحسب أن تجربتي مع الأدب ساهمت في صقل قلمي كسيناريست، وتجربتي مع السينما علمتني أن أثق في مُخيّلتي كروائي.
- كنت من الروائيين القلائل الذين يعترفون بوجود محرر أدبي، ولعلك تسن سنة حسنة يتبعها غيرك، برأيك لماذا يُغيّب الروائي العربي وجود المحرر الأدبي؟
مع الأسف، وظيفة المحرر الأدبي لم تجد لها مكاناً في أغلب دور النشر العربيّة، مما انعكس سلباً على صناعة النشر نفسها؛ إذ نادراً ما نجد أشخاصاً مختصيّن في التحرير الأدبي. فأثناء بحثي عن محرر أدبي محترف، كانت أغلب الإيجابات: "هل تعني مدقق لغوي؟" فالمشكلة أكبر من تعنّت الروائيين العرب، بل تمتد إلى دور النشر نفسها ورؤيتها للدور التي يجب أن تلعبه في الصناعة. وهذا كان أحد أسباب حرصي في أن تخرج روايتي من رشم، لجودة فريق التحرير الذي يعمل معهم ولإدراك الدار للدور المناط بها تجاه مختلف إصداراتها.
- هل تعتقد أن وجود المحرر الأدبي هو جزء مهم في عملية الكتابة؟
بل جزء أساسي في العمليّة. ولذلك أعتقد أن على الروائي تقديم مصلحة النص على غروره. فحين ينخرط الكاتب في كتابة روايته، ويعمل على عدة مسودات لفترة طويلة، يفشل في كثير من الأحيان في رؤية أخطائه وعيوب مسودّاته. هنا يأتي دور المحرر الأدبي المتمكّن الذي يعمل كعين ثالثة تلتقط الأخطاء والعيوب؛ فينبّه الكاتب إلى تكراره لبعض الكلمات والجمل، أو سطحيّة بعض شخصيّاته. ناهيك أنه قد يساعد الكاتب على تقرير مصير بعض الفصول إما بحذفها أو اختزالها. هذا لا يعني أن على الروائي الاستماع دوماً لرأي المحرر، فهناك أمور يراها الروائي دون غيره، لكن على الكاتب أن يُعطي رأي محرره فرصة قبل أن يتخذ قراره بالقبول أو الرفض.
- ذكرت في إحدى حواراتك أنك قبل أن تكتب تعرف ماهي النهاية، وهو الأسلوب ذاته المتبع في كتابة السيناريو، (معرفة البداية والوسط والنهاية) والهدف من ذلك هو معرفة المسار الذي ستسلكه للوصول للنهاية، وليس الكتابة بطريقة عشوائية. هل ترى فعلاً أن على الروائي أن يعرف ما هي النهاية قبل أن يشرع في الكتابة؟ وهل ترى أن ذلك قد يحد من العشوائية في الكتابة؟
هناك نوعين من الروائيين: المعماري والبستاني. الروائي المعماري يهتم برسم بناء الرواية من البداية إلى النهاية قبل الشروع في كتابة الجملة الأولى، مما يساعده على الكتابة بثقة والتغلّب على ما يُسمّى عقدة الإبداع (Creativity Block). أمّا الروائي البستاني فيشرع في كتابة الرواية بمجرد ما يأتيه الإلهام، ثم يحاول اللحاق بشخوص روايته دون أن يعرف إلى أين تنتهي. المشكلة مع الروائي البستاني أنه يُخاطر بعمله، والذي قد يمتد إلى سنوات، دون أن ينتهي إلى عملٍ مكتمل، كما أنه سيبقى رهينة الإلهام في كل مرّة يواجه فيها الصفحة البيضاء. أما الروائي المعماري يعرف ذلك جيّداً، ولهذا يحمّي نصّه ووقته من تلك العشوائية القاتلة بالتخطيط المُسبق. ناهيك أن القارئ الفطن يُميّز بين جودة النص المُخطط مسبقاً والنصوص المكتوبة بعشوائية.
- كيف ترى مستقبل الرواية والسينما السعودية؟ هل ترى أن المسافة بينما تتقارب وهل سيحققان التكامل الفني فيما بينهما؟
كل المؤشرات تقول أننا على أعتاب عصر ذهبي للرواية والسينما السعودية، لكن علينا ألّا نستعجل في الحكم على مخرجاتها الآن دون أن تكتمل أركان الصناعتين. أمّا عن المسافة بينهما، فهي لا تزال بعيدة. وهذا ربما عائد إلى أن عدداً كبيراً من الروايات السعودية (وكذلك العربية) تُقدّم التعبير الوجودي النفسي والشاعري على الحبكة، فينتجون أعمالاً خالية من الأحداث، مما يعني استحالة تصويرها سينمائياً. أيضاً جزء من المسؤولية يقع على عاتق بعض شركات الإنتاج التي وقعت ضحيّة الشلليّة والصوت الواحد، فكثير من المنتجين لا يستطيعون النظر أبعد من غرف مكاتبهم، فلا يقرأون إلّا نصوصاً مُعلّبة، رغم إعترافهم بأن السينما السعودية (وكذلك الدراما) في حاجة ماسّة لنصوص ناضجة. ولو التفتوا لعدد لا بأس به من الروايات السعودية لوجدوا عوالم غير مطروقة، وحكايات مكتملة الأركان قد تنفي ما يُسمّى بـ "أزمة النص" في السينما المحليّة.