لا توجد طريقة لفهم العالم البشري من دون قصص

إبراهيم الخبراني

اسم الكاتب/ نورة حسن
تاريخ/

في زمن يثرثر الكثير فيه، ويحاول البعض نسج خيوط قصة أو رواية، وقلة من يتمتعون بمهارة الإنصات.

ذلك الإنصات الذي يغذي حاجتنا البشرية للخيال والتواصل والتفاعل، تأتي هذه التدوينة... 

لطالما تساءلت ما هي القصة؟ 

أقصوصة؟ سمها ما شئت.. 

لكن عالم النفس البروفيسور جوناثان هايدت قال إن القصة هي ما يفعله الدماغ. إنه "معالج قصة"، لأن القصة تنبثق من عقول البشر بشكلٍ طبيعي كما ينبعث النفس من شفاه الإنسان.

 

تمهيد: 

يولد الإنسان بستة مشاعر أصيلة وهي السعادة، الحزن، الخوف، والاشمئزاز، والغضب والدهشة!!

أما بقية المشاعر فيكتسبها بالتجارب والخبرات التي يمر بها ويتعرض لها أثناء حياته. 

كانت هذه المشاعر تعتبر الوحدات البنائية الأساسية لحياتنا العاطفية، لكن المعيب في هذا التصور هو أنه يبسط مشاعرنا ويجعلها كردود أفعال لا إرادية ولا يوضح حقيقة هذه العواطف!

عالمة الأعصاب ليزا فيلدمان، وهي من المهتمين بدراسة تأثير اللغة على العواطف البشرية وتطورها. تعتقد أنه عندما يتعلم الإنسان كلمة جديدة تصف شعور وعاطفةٍ ما، فإن هنالك بالتأكيد عواطف جديدة ستظهر بسبب هذه الكلمة! لأن تغيّر وتطور اللغة يعني بالتأكيد تغير وتطور المشاعر. 

لذلك طوّر أسلافنا في العصر الحجري الحكايات عما هو صحيح وخطأ أخلاقياً فيما يرتكبه الآخرون. 

وكانت القصص عن كون الناس بطوليين أو أشراراً، وكانت عواطف الفرح والغضب التي يثيرونها، حاسمة لبقاء الإنسان، وكنا لا نستطيع مقاومة الاستمتاع بها. 

 

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن اللغة تطورت بشكل أساسي لتبادل "المعلومات الاجتماعية"، ويعتقد بعض الباحثين أن الأجداد قاموا بدور حيوي في روايتهم أنواعاً مختلفة من القصص، ومن هذه القصص تشكلت الحضارة الإنسانية المعقدة. 

ولايزال حتى اليوم، تعريف الدول الحديثة بشكل أساسي من خلال القصص التي نرويها عن ذواتنا الجماعية: انتصاراتنا وهزائمنا؛ أبطالنا وأعدائنا، قيمنا المميزة وطرائق وجودنا، وكلها مشفرة في الحكايات التي نحكيها ونستمتع بها.

 

لذلك القصص والأدب لم تكن ترفاً..  لو لم يكن الأدب موجوداً لكانت خسارتنا فادحة لتلك الحكايات التي تم تناقلها شفهياً دون أن تُحفظ بالتدوين.

لو أن هذا حدث لتغيّر فهمنا للتاريخ، وللأمم والإمبراطوريات التي سادت ثم بادت. 

ولم نكن لنعرف معظم الأفكار الفلسفية والسياسية، لأن الكتابات التي نفثت فيها الحياة لم تُحفظ بالتدوين، وبالتالي لاندثرت غالبية العقائد الدينية مع ضياع النصوص المقدسة التي تحوي تعاليمها.

لذلك لم يكن الأدب القصصي قط حصراً على عشاق القراءة، فمنذ ظهور الأدب منذ أربعة آلاف عام كان له دور عظيم في تشكيل حياة معظم البشر على كوكب الأرض. 

حينما نقرأ أو نسمع أو نشاهد قصة، نحن نقوم ببناء ومحاكاة نماذج متخيلة لعقول الشخصيات التي نقرأها أو نقرأ عنها تلقائياً. 

وقام علماء الأعصاب ببناء حجة قوية مفادها أن الاستعارة أهم بكثير لدى الإدراك البشري أكثر من أي وقت مضى!

والسبب في ذلك أنهم يعتقدون أنها الطريقة الأساسية كي تفهم العقول المفاهيم المجردة، كالحب، والفرح والمجتمع والاقتصاد. 

ببساطة، لا يمكن فهم هذه الأفكار بأي معنى مفيد دون إرفاقها بالمفاهيم التي لها خواص فيزيائية: أشياء تزدهر، ودافئة وتتمدد وتتقلص، وهذا ما يحدث عند كتابة ورواية القصص. 

وفي ذات السياق تقول عالمة الأعصاب البروفيسورة صوفي سكوت:

 "تستند كل التصورات تقريباً –في رواية القصص- إلى اكتشاف التغيير"

كون أنظمتنا الحسية لا تعمل بشكلٍ أساسي ما لم تكن هناك تغييرات نكشف عنها.

ففي البيئة المستقرة، يكون المخ هادئاً نسبياً، إنما حينما يكتشف التغيير –وهذا ما يحصل في رواية القصص- ، يتم تسجيل هذا الحدث على الفور كفورة من النشاط العصبي. 

ومن هذا النشاط يبرز اختبارك للحياة -شريط ذكرياتك- كلما رأيته وفكرت فيه، وكل من أحببتهم وكرهتهم، وكل سر احتفظت به، كل حلم كنت تبحث عنه، كل غروب، كل فجر، كل ألم، ونعيم، وطعم وشوق – كل ذلك إنتاج إبداعي لعواصف من المعلومات التي تتدفق وتدور حول المناطق الغائرة في دماغك. 

 

"حينما أستيقظ، يكون الجانب الآخر من السرير بارداً"

(سوزان كولينز، ألعاب الجوع)

 

لدى البشر تعطّش غير عادي لمعرفة كيف تعمل الأشياء، ولماذا؟ 

ويثير رواة القصص هذه الغرائز بخلقهم عوالم، لكنهم يقصّرون في إخبار القراء بكل شيء عنها. 

وهنا تكمن الحيلة، فجوة صغيرة في نسيج الحكاية كافية لإيقاظ الدماغ، كالجملة السابقة فهي لا تُخبرنا من غاب ولا لماذا؟ لكنها تدفعنا قسراً لطرح الأسئلة: من كان هنا؟ أين ذهب؟ ماذا حدث الليلة الماضية؟ 

إنّها لا تُشبع الفضول… بل تُشعِله.

رُواة القصص البارعون لا يسكبون المعلومات دفعةً واحدة؛ إنهم يزرعون فراغاتٍ محسوبة ليتسع لها خيال القارئ. يلمّحون بدل أن يصرّحوا، يقدّمون الأثر قبل السبب، ويضعون القرّاء داخل لحظةٍ ناقصة فنندفع لاكتشاف ما قبلها وما بعدها. 

هذا ما يسميه علماء النفس بـ "فجوة الفضول"، إدراكُنا لوجود معلومة مفقودة يولّد توتّراً معرفياً لا يهدأ إلا حين نملأ الفراغ.


استكشف علماء النفس أسرار الفضول لدى الإنسان، وتوصلوا إلى أن العقول تبدو فضولية بشكل تلقائي عندما تقدم لها "مجموعة من المعلومات" تدرك أنها غير مكتملة، وكتب لوينستاين: "يوجد ميل طبيعي لملء الفجوات في المعلومات، حتى نحو الأسئلة التي لا أهمية لها". 

كيف تُشعل فضول قارئك؟

  • ابدأ من منتصف الحدث (In medias res): ادخل على المشهد من بابٍ موارب. أثِر واقعةً ظاهرة واترك دوافعها مؤجّلة.
  • اعرض الأثر قبل السبب: أظهر الدمعة أولاً، ثم اكشف الحكاية التي استدعتها.
  • استخدم المفارقة: دع القارئ يعرف ما لا يعرفه البطل، أو العكس، لتوليد توتّرٍ لطيف.
  • قلّل الشرح وكثّف الدلالة: تفصيلة حسّية واحدة تغني عن فقرة تفسير.
  • ارفع الرهانات تدريجياً: أسئلة صغيرة تولد أسئلة أكبر، حتى يصل القارئ للنقطة التي لا يستطيع عندها التوقف.
  • اختم بمصباح لا بجدار: امنح جواباً، واترك ضوءاً يقود لسؤالٍ تالٍ.

 

الفضول ليس زينةً لغوية؛ إنّه محرك القراءة. وكلما أتقنتَ حساب «المعلوم/المجهول» في كل مشهد، صنعتَ إيقاعاً يجرّ القارئ خطوةً بخطوة. الحكاية الناجحة لا تقول كل شيء… تقول ما يكفي ليبدأ القارئ في قول الباقي داخل رأسه. هنا، في تلك المسافة بين ما قيل وما لَم يُقل، يولد الإدهاش.

 

في الختام:

كوني قارئة نهمة، لطالما أحببت الكُتب التي تحكي قصصاً رومانسية تستدر الدموع، وأجد متعةً عظيمة في استسلامي للمتاهات العقلية والعالمة في البحوث التي تمنحني الإحساس بأني أكثر ذكاءً. أحب كُتب الفن التي تُدخل إلى البيوت لوحات اللوفر أو البرادو، أو الصور الغريبة الآتية من القارات الخمس.

كم واحد منا ما كان ليعرف شيئاً عن تلك الروائع لولا القصص والكُتب؟ 

أحبّ صف الكُتب، عندما تكون مرتبة في الرفوف، ننظر إليها ورؤوسنا محنية قليلاً، كأننا نبجلها حتى قبل أن نفتحها. أحبّ الورق، أوراق الصفحات التي تنقلب وأحياناً عنها ننقلب!!

الورق شديد البياض الذي لا يُناسب قصة حُبّ، يصفر قليلاً بمرور الزمن، وتصيبه آثار الصّدامات والمداعبات مثل مُلاءِ الفراش بعد عناق.

والورق المنقوش يمنح الكلمات عمقاً تنطبع فيه وتستقر بكل راحة داخل سُمك الألياف.

وأحبّ كذلك الكلمات فوق الصفحات، لا أتحدث عن معنى الكلمات، إنما عن الإيقاع الذي تخلقه حركة السواد بين كل كلمة، يضمن فضاءً لا يزيد ولا ينقص أبداً، مسافة مجاملة تسمح لكل كلمة ألا تطأ قدمي جارتها وتتنفس وفق هواها. 

هذا ما تمنحني إياه قراءة القصص وكُتب الأدب، مساحة لتنمو عواطفي وتتكاثر.


 



Copyright © Nuss 2023