رسائل إلى شخصيات سينمائية تومض في الذاكرة

IMDb

اسم الكاتب/ طامي السميري
تاريخ/

 

بعض الشخصيات السينمائية عالقة بذاكرتي، وبودي أحياناً لو أنني تجادلت معهم أو عبرت لهم عن رأيي في تفاصيل شخصياتهم، أو أنني أخبرتهم عن رؤيتي في مواقفهم وفي قراراتهم، لكن مجد تلك الشخصيات وإن غابت في زحام الأفلام تظل تضيء في الذاكرة. وفي هذه الرسائل المختزلة أحاول أن ألعب دور المُشاهد الذي يخاطب تلك الشخصيات بهذه الرسائل:

 

 

هانز لاندا - Inglorious Bastards

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في فيلم "أوغاد مجهولون" كنت الضابط النازي المتباهي بإخلاصه للنازية، وكنت أيضاً الضابط المغرور الذي يعتقل اليهود ويظن أنه يفكر مثلهم لذا أصبح يطلق عليك "صائد اليهود". لهذا قلت "الميزة التي تجعل مني صائد يهود فعال.. وعلى خلاف معظم الجنود الألمان.. هي أنه يمكنني التفكير كيهودي.. بينما هم لا يمكنهم التفكير إلا كجنود ألمان". وكنت تظن أنك الماكر البارع لذا تباهيت وقلت: "لو أردنا تحديد الخصلة المشتركة بين الألمان وبين الحيوانات فستكون موهبة المكر والافتراس التي لدى الصقر".

أيها الكولونيل هانز لاندا كنت ذكياً أثناء الحرب، ولكن عندما جاءت النهاية لم تكن كذلك. فقد كنت تريد أن تعيش أمجاد سطوة النازية أثناء الحرب، وما بعد الحرب كنت تريد مباهج السلام. وفاتك أن الحرب لا تمنح جنودها كل شيء، لذا خسرت وبغباء.

 

 

جولي - Three Colors: Blue

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في فيلم Blue"" كانت المأساة فادحة بفقد زوجك وابنك. لكنك لم تنهارِ، لم تبكِ، لم تقولِ حتى أريد أو لا أريد، كان اعتمادك على طمس معالم الحياة السابقة والتخلص من آثارها كافياً لبدء حياة جديدة تكونين فيها وحيدة، لكن الشقة الجديدة وبركة السباحة وكوب القهوة لا تكفي لخلق راحة البال. حتى تلك الحميمية العابرة مع صديقك كانت من أجل هدم خيالاته عنك لا لتحقيق اللذة. تفعلين الأشياء حتى تقولي أنها أشياء عبرت في حياتك، كانت الموسيقى تطاردك في كل مكان وكنتِ تصدين تأثيرها بلطف، كنتِ مكابرة مع زوجك الذي نهب نبوغك واستأثر بالمجد الموسيقي. كان يثق بأنك المرأة الطيبة الذي يعتمد عليها، وكنت مكابرة حتى في انهيارك وفي التعاطي مع أوجاعك. حتى التذكار الذي وجده ذلك الشاب لم تقبلِ به. وامتدت هذه المكابرة إلى ذاكرتك. فعندما قالت جارتك: "أنت امرأة لا تُهجر". بينما أنت تعرفين أنك تشبهين بقية النساء، لذا كانت ردة فعلك كأي امرأة غيورة عندما عرفتِ بخيانة زوجك، لكن الفارق أن المرأة الطيبة في داخلك انتصرت على المرأة الغيورة وكانت أفعال الحكمة هي من تصدى لتك الخيبة. صديقك الذي رفض أن ينسب له تدخلك في تأليف السيمفونية أعطاك إشارة إلى أن تعودي للحياة، للموسيقى، وإلى أنصاف ذاتكِ، كنتِ بحاجة إلى معرفة أنكِ تخافين من الفئران وأنك المتسببة في قتلهم. كنتِ بحاجة إلى تجاوز تلك النظرة المثالية التي كنتِ تحبسين فيها ذاتك.

 

 

 بوناسيرا - The Godfather

في فيلم العراب كان لك مشهداً وحيداً أدخلك التاريخ السينمائي، فعندما ذهبت إلى العرّاب تطلب منه العدالة لكي يقتص من الشاب الذي قام بالاعتداء على ابنتك. العرّاب لم يهتم بمجيئك في وقت غير مناسب وفي حفل زفاف ابنته لكي تطلب منه العدالة. العرّاب الذي يتقن فن المفاوضات كان يعرف بأنه سوف يستوفي الخدمة التي أسداها لك في يومٍ ما. لكنه مع ذلك كان غاضباً منك ومن تجاهلك له كعرّاب، فقال لك ذلك الرد الشهير: "بوناسيرا ماذا فعلت لك كي تعاملني بقلة الاحترام هذه!! لو أتيت باسم الصداقة لكان الحقير الذي أذى ابنتك يتعذّب اليوم بالذات".

لقد كنت تطلب العدالة ليس بمفهومها الحقيقي، بل كانت تكتسي طابعها الميكافيلي، فأي عدالة حقيقية كنت تريدها؟ هل هي عدالة الشرطة أم عدالة العرّاب؟ كان حوارك معه ممتلئ بالمساومات، وبالمقايضات، وباستغلال الفرص من العرّاب الذي قال لك: لنكن صريحين أنت لم ترغب يوماً في صداقتي كنت تخشى أن تصبح مديناً لي. في ذلك المشهد كان العراب يعرف ماذا يريد منك في المستقبل وأنت الرجل الحانوتي، لكنك أنت لم تعرف ماذا تريد منه سوى القصاص من ذلك الشاب.

 

 

هيستر كولير - The Deep Blue Sea

في فيلم The Deep Blue Sea"" كان موقفكِ عن الحب متطرفاً وواضحاً لهذا قلتِ: "جاء إليّ مثلما تأتي الشمس بعد المطر". لذا لم يكن هناك عتمة في طريقك العاطفي، ولم تكن لديك خديعة في علاقتك سواء مع الزوج أو العشيق، فالوضوح كان حاضراً. لهذا كان عليك الاختيار بين لطافة الزوج وبين العشيق المستبد، وكان خيارك للطرف الثاني الذي قادك للمهانة ولمحاولة الانتحار.  كان مفهومك للحب وقناعتك العاطفية تقودك إلى الرضا، وكنتِ تظنين أن ذلك الرضا هو كل الحب ولكن القناعة الفادحة التي كنتِ تؤمنين بها بأن التخلي هو نصيبك من الحب والحياة.

 

 

روبرت فورد - The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

كنت ترى في جيسي جمس زعيم العصابة القاتل وسارق البنوك المثل الأعلى وكان يمثل لك الرمز، وكنت تريد مرافقته في سرقاته ومغامراته. وبلغ بك الإعجاب إلى أنك كنت تهتم وتحفظ كل تفاصيله الصغيرة، إيماءاته وطريقته في الكلام، وفي المقابل جيسي لم يكن يهتم بك، بل أنه لم يكن يشعر بوجودك، كان ينظر إليك بتعالي واستخفاف ويسخر من شخصيتك. هذا التعلق وهذا الشغف الذي كنت تكنه لجيسي جمس تدرج صعوداً حتى وصل إلى الاعتقاد والتوهم بأن بينكما تشابهات في أمور كثيرة، وهذا الاعتقاد جعلك في خيالاتك تتماهى مع رمزك، لكن هذا الشغف انحدر حتى قلت عنه أنه -مجرد إنسان– ثم استولت عليك فكرة لماذا لا تقتل جيسي جمس وتصبح أنت الرمز. كنت تظن بمجرد أن تقتله ستصبح أنت الرمز! واعتقدت بأن وجوده هو من يحجب عنك ذلك المجد المنتظر. في المقابل كان جيسي جمس يشعر بتلك التحولات التي في داخلك، كان يعرف أنك المعجب الغيور، وأنك تريد أن تكون هو. وهو الذي قال لك ذات مرة وكأنه يتنبأ بما حدث: هل تريد أن تكون مثلي؟ هل تريد أن تكون أنا؟

إن خبرة جمس جيسي الشريرة في الناس جعلته يقرأ نواياك. لقد هيأ نفسه لأن تقوم بقتله، فهو أراد أن يموت على يدك، على يد "روبرت" وأن قتله عن طريقك وأنت المحب الغيور يمثل نهاية مثيرة لقصة حياته.

لكنك عندما قتلت جيسي جمس ظننت أن الناس ستفرح، لأنك قتلت سارق وقاتل، لكن ردة فعلهم كانت مغايرة، فالناس مجّدوا جيسي وهو ميت، ولم يلتفت أحد اتجاهك. فأنت لم تُخلق لأن تكون بطل. لذا قال عنك الراوي: "مات روبرت، ولم يمدح الناس في سيرته، لم يزوروا بيته، لم يشتروا صورته بقليلٍ من السنتات، لم يعكفوا على قبره، أو يأخذوا حفنة تراب منه للتبرّك، مات ولم يبقَ من سيرته غير «الجبان روبرت فورد الذي قتل جيسي جيمس". ولهذا تصدّر اسمك عنوان الفيلم: The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

 

 

Holy Smoke - روث

 استولت عليكِ الأفكار المرهقة، وعذبتكِ الأسئلة الموجعة فذهبتِ إلى الهند باحثة عن الخلاص، وعن الحلول في المعتقدات والروحانيات، لكن أهلك أدركوا أنكِ الفتاة التي أرادت أن تخوض تجربة حتى وإن لم تثمر عن شيء، ولهذا تمت استعادتك. أحضروا لك طبيباً ليعالجك من تلك اللوثة. لكن الفاجعة كانت أن الطبيب هو من تكشفت أمراضه وأوجاعه أمامك، وصار هو من يستحق الشفقة. كنتِ أنتِ المأزومة التي أدركت علله الداخلية، وكأنكِ تقولين أن المأزوم قد يلعب دور الأطباء.

 

 

توم ريبلي - The Talented Mr. Ripley

عندما سألك "ديكي غرينليف": ما هي موهبتك؟ كانت إجابتك العفوية: "تزوير التواقيع - الكذب - تقمّص الشخصيات". وظن أنك تمزح لأن لا أحد يقدم نفسه للآخرين في اللقاء الأول بهذه الإجابة، ولم يعرف أيضاً أن تلك الإجابة الصادمة كانت صادقة وهي سر براعة شخصيتك. كنت موهوباً في الكذب والخديعة، وكنت تظن بمواهبك هذه سيتحقق لك المجد، وكنت تظن أنك حين تجد المال سوف تكتفي بما فعلت، حتى جاء المشهد الأخير من الفيلم وظننت أنك على وشك الانهيار، وأنك ستبوح بكل خطاياك وتعترف، لكنك حتى في لحظات البوح مع صديقك كنت تخطط لجريمة أخرى؛ كنت تريد قتله لتتخلص من آخر المقربين منك والذين قد يستدلون على سرك.   في تلك اللحظة طلبت من صديقك بيتر طلباً غريباً، قلت له "أخبرني ببعض الأشياء الجيدة عن توم ربيلي". وهنا شعرت بأنك كنت تريد أن تصغي إلى بعض الإطراء والكلام الجميل الذي تشكّل لدى بيتر عن شخصيتك المزورة. لقد نجحت في إقناعهم ببراعة تلك الشخصية. وأردت من بيتر أن يكون مرآتك وإن كنت تعرف أنها مرآة لن ترى إلا نسختك المزورة، ولن يدرك بيتر حقيقتك. لهذا وجدتك تتألم وتبكي عندما سمعت إطراء بيتر وقلت له: يا لك من كاذب! ومع كل هذا الضعف الذي كنت تعيشه في تلك اللحظة كنت تفكر في خنق بيتر، وقد نجحت. كنت في هذا المشهد العظيم في قمة شفافيتك مع ذاتك التائهة، التي احترفت التزوير وكنت في غاية الصدق عندما قلت: "لطالما اعتقدت أنه من الأفضل أن أكون شخصاً مزيفاً، على أن أكون نكرة حقيقياً".

 

 

القبطان جاكاب -  The Story of My Wife

كنت القبطان العازب الذي يقود السفينة ويفهم عالم البحر بكل تقلباته ومفاجآته، غرقت في محبة البحر وأهواله، وعندما توجعت وشكوت من آلام البطن نصحك طباخ السفينة بأن تتزوج وتزوجت بطريقة مغامرة، معتقداً بأنك ستقود سفينة الزواج كما كنت تقود السفينة في البحر، لكنك وجدت في "ليزي" تلك الزوجة امرأة فوق طاقتك، أرهقتك، عذبتك، هدمتك، جعلتك مأسوراً للشكوك والظنون. لقد كانت (ليزي) امرأة غامضة في ضعفها وفي قوتها. بوفارية في ملامحها وفي صوتها وفي مشاعرها. وسر غموضها أنك لم تستطع تأويل ما كانت تقوله من كلمات، ولا تفسر ما تفعله من تصرفات. فعندما كانت تسألك: أي نوع من الرجال أنت؟ كنت تجيبها إجابة اعتيادية عن اسمك وعملك، وهي لم تكن ترغب في إجابات من هذا النوع، وعندما سألتها:

كيف يكون العاشق؟

أجابتك ليزي:

-قليل الحياء

وعدت تسألها بسذاجة:

-ماذا أكون أنا؟

-أنت صادق.

لم تفهم لماذا عبّرت عن العاشق المفضل بأن يكون "قليل الحياء"، ولم تفهم لماذا لم يكن يبهجها أنك كنت صادقاً. كنت مهيئاً لأن تكون زوجاً، ولكن لم تكن مهيئاً لأن تكون عاشقاً، ولهذا تجاوزتك وسرقت قلبك ومالك ورحلت. لكنك عشت حياتك على أمل أن تعود. حتى تبدد وهمك وأنت تستقل إحدى الحافلات وتظن أنك رأيتها تسير في الشارع. وبعد أن توقفت الحافلة هرولت كالمجنون لتتصل بصديقتها وتسألها عن عنوانها، فتخبرك بأمر صادم زلزل أركانك وهز أعماقك: لقد ماتت منذ سنوات. وهنا تكتشف أن هذه المرأة الخائنة كانت أهم شخص في حياتك، وأن محاولتك نسيانها طوال السنين الماضية كانت بلا جدوى؛ إذ لم تستطع نسيانها للحظة، بل آمنت بأنك ستراها مرة أخرى، لكن ما قلته في المشهد الأخير كان مؤلماً:

 "لكنني أؤمن – ولا يحاولنّ أحد إقناعي بغير هذا – وأضع كل ثقتي في أنها ستظهر مجدداً في يومٍ ما، في جوٍ مشرق، في شارعٍ خالٍ، في ركن ما، حتى وإن لم تعد بمظهر شبابي، فإنها ستخطو بخطواتها المعروفة اللطيفة، الصغيرة، الخفيفة، السريعة، وأن الشمس ستسطع عبر معطفها الأسود. أراهن بروحي على أن هذا سيحدث، وإلا فلِمَ العيش؟ إذ لا أنتظر إلا هذا، وسأظل أنتظره إلى آخر حياتي. أعِدُ بهذا. مَن أعِد؟ لا أعلم".

 

 

فانيسا - By The Sea

كنتُ أقارن بين رؤيتكِ للسعادة وبين مفهوم سعادة الشخصيات الأخرى في الفيلم، فالنادل لديه يقين بأن سعادته في الحياة ناقصة بفقد زوجته، وهو يتعالى على سعادة اللحظة لأنه رهن سعادته مع الكائن الغائب. وهذا نوع آخر من التحايل، أما الجيران فقد كانوا منغمسين في ألاعيب السعادة. وعندما حدث طارئ في حياتهم اقتربوا من الفراق، وكأن السعادة تمنحنا حجاب عن الأشخاص وردود أفعالهم. أما شريكك العاطفي -براد بيت- فقد كان أكثر ضياعاً منكِ لكنه لعب دور المتماسك. لجأ إلى الكتابة وإلى الشراب، للتحايل على ضياعه العاطفي والإبداعي.

وعندما قال لك "أنتِ تقاومين السعادة"، كان يرى بأنكِ منهكة ومتعبة. كنت سلبية في عواطفكِ وفي مشاعركِ، لذا فشلتِ حتى في أن تلعبي دور الكائن الشرير. وحتى تلصصكِ على الجيران لم يكن سببه التلصص الشهواني، ولكنه التلصص على سعادة الآخرين، وعلى أن هناك من يقدر على إسعاد الطرف الآخر. تركتِ لإرهاقك الروحي والجسدي أن يملأ المكان. فأنتِ لم تقاومِ لعدم القناعة بأسباب السعادة، لكنكِ وصلتِ إلى حد عدم القدرة على استيعاب السعادة روحاً وجسداً.

 

 

ستيفنز - The Remains of the Day

أفنيتَ عمرك وأنت تكرس ولاءك العظيم لمهنتك كرئيس الخدم بشكل محترف. كنت تريد من تلك المهنة أن تسمح لك بالعيش في قصر ضخم، لكن هذا الولاء المطلق أضر بك ومسخ داخلك، جعلك الكائن الذي يتشكل حسب ما تتطلبه تلك المهنة. لم تكن تريد أن تخرج عن النص مطلقاً. لم تكن حراً، ولا صاحب رأي أو موقف، بل كنتَ الرجل الآلي، حتى عندما كانت تأتيك الفرصة لسماع رأيك كنت تعتذر بالجهل.

كان عالمك هو القصر ولا شيء غيره، فلا بد أنك تتذكر ورطتك عندما تعطلت سيارتك والتقيت بعدد من سكان المدينة الصغيرة وحاصروك بالأسئلة عن الأحداث التي جرت في القصر اعتقاداً منهم بأنك من السادة النبلاء. كنتَ حينها مرتبكاً وخائفاً وأنت لا تجد الإجابة المناسبة حتى ولو كانت على سبيل الادعاء، لقد كنت تجهل كل ما هو خارج مهنتك.

وصل بك الأمر إلى أنك كنت تريد أن تتحايل ولم تملك القدرة، وكنتَ تريد أن تكون عطوفاً ولم تستطع، وكنتَ تريد أن تكون محباً وأيضاً لم يقوَ قلبك على ذلك. عندما توفي والدك أخفيت حزنك. كنت ماهراً في إخفاء مشاعرك حتى وصلت إلى مرحلة عدم القدرة على استعادتها. لقد كابرت حتى لا تكون حزيناً على فقد والدك. كنت تظن أن الحزن قد يكدر صفو إخلاصك للعمل. امتدت رحلة الجور على مشاعرك إلى قلبك فقد فوتّ فرصة الغرام الوحيد الذي كان يمكن أن يطرق قلبك، وعندما التقيت بالسيدة كنتون في ذلك المقهى، تحدثتَ كما لو أنك داخل القصر. سكنتك مهنتك حد ذوبان الملامح داخلك. فلم تعد تميز بين ما هو للحياة وما هو للعمل. لم تكن تتباهى بسطوتك على موظفي القصر، حتى وأنت وحيداً، كنتَ مرتبكاً، فاقداً، ضئيلاً، مؤمناً بالتفاني في عملك وكان ذلك هو إيمانك الوحيد الذي يقودك للبقاء في القصر. ويقودك للسلطة، السلطة التي كنت تبدو بها أشد ضآلة من أولئك الذين يعملون تحت قيادتك.

حتى في لحظتك الخاصة لم تكن تحظى بالثقة في هواياتك ورغباتك. كنت تريد أن تحيل كل شيء إلى سر، حتى الكتاب الذي تقرأه كنت تخفي عنوانه. لا بد أنك تتذكر ذلك المشهد مع السيدة كنتون. لقد قادتك الطاعة اللانهائية إلى مرحلة التلاشي، كنت تطيع سيد القصر حتى فيما لا تفهمه فكنت تجهل كلمة لا. ليس على سبيل الإنكار، بل هو امتداد لشعور الطاعة الذي يحاصرك ويتوغل في شخصيتك فحين كلفك صاحب القصر بأن تخبر الشاب كيف تتم أمور الزواج فشلت، لم تعرف كيف تخبر الشاب بالتفاصيل، لكنك أطعت سيدك ونفذت الأمر. لقد أغرقت نفسك بالعشق الوظيفي لمهنتك وكان يجب أن يهمس لك أحد ما: لا تفن وأنت مخلص.

 

كارل - Sling Blade

بعد أن خرجت من السجن قلت أنك تعلمت الدرس جيداً. وأضفت قائلاً: أعتقد أنه لم يعد هناك سبب كي أقتل من أجله. لكنك عدت للقتل مرة أخرى! كنت تعتقد أن الحياة فيها سبباً واحداً من أجله يصبح الإنسان قاتلاً، لكنك لم تفكر في أن هناك أسباب قد تجعل الإنسان يعود مرة أخرى للقتل.

 

 ستيلا - Asylum

لم تكن حياتك الزوجية سيئة، ولكنها لم تمنحكِ الرضا الداخلي. كانت لديكِ قدرة الاستمرارية على تلك الحالة الرتيبة، حتى داهمكِ الحب وذهبتِ إلى الحياة الأسوأ وإلى الخيار العاطفي السيئ، ومع ذلك، لم تتراجعِ ولم تتغير قناعتكِ. وبرغم أنك وجدتي من العاشق السيء كل معاملة سيئة إلا أن قلبك كان يقول لكِ بأن هذا الرجل هو اللجوء المناسب. آمنت بالأذى العاطفي وأدمنتِ الخسارات، أصبح ذلك الأذى سرّ لذتك وسرّ وجودك في الحياة. كل هذا جعل نهايتك الانتحار. إنه اللجوء القاتل.

 

 

موريس بيندريكس - The End of the Affair 

كنت تريد أن تلعب مع "سارة" كل الأدوار، دور العاشق الذي يعيش الحب، ودور الكاتب الذي يكتب عن الحب، ودور الصديق الشاهد على هذا الحب. المفارقة أنك الملحد الذي يؤمن بالحب. وهذه التناقضات جعلتك تعيش الأمجاد، لكنها كانت منقوصة بسبب هواجسك وارتيابك وغيرتك.

 

 

 

سنان - The Wild Pear Tree

هل كنت الشاب الموهوب في الكتابة، والذي لم يفهمه ولم يقدر موهبته أحد؟ هل كنت التائه لعدم وجود العمل؟ هل كنت المتأذي من سيرة والدك وكنت تخاف أن تشبهه؟ أنت نسخة مطورة من هولدن بطل الحارس في حقل الشوفان، الفارق بينكما أنه كان متذمر معلن وأنت المتذمر بهدوء وبعجرفة لا مرئية.

 

 

ريد - The Shawshank Redemption 

مع طول إقامتك في السجن أصبحت تخاف الحياة خارج السجن، بل وتخاف الأمل لذا قلت: الأمل شيء خطير، الأمل من الممكن أن يقود الإنسان للجنون. لكنك وجدته في صديقك "أندي" السجين الذي كان مؤمناً بالأمل والذي فعل ما لم تفكر فيه أنت ولم تستطع أن تفعله وهو الهرب.

 

 

ألفريدو - Cinema Paradiso

لم تكن مجرد مشغل أفلام، بل كنت أكثر من ذلك، مهنتك علمتك كيف الناس يشاهدون الأفلام. السينما خلقت منك كائناً مثقفاً، فقد كنت تأخذ منها عباراتك المقتبسة، لكن بعد ذلك أصبحت قادراً على أن تقول عباراتك الخاصة! لا أحد ينسى الفريدو الذي فقد بصره من أجل أن ينعم أهل القرية بمشاهدة الأفلام.

 

 

جورج - Amour

حين مشيت متثاقلاً إلى العناية بزوجتك المريضة أدركت أنك رجل لا يتقن المواساة، ولا يقدر على طبطبة آلام الآخرين، لكنك عندما قمت بصفعها وهي في حالة المرض تجاوزت ما اعتقدته فيك. وعندما قتلتها تجاوزت سقف التوقعات، وتركت لنا حيرة السؤال: لماذا قتلتها؟

 



Copyright © Nuss 2023