موقع الإبداع والابتكار في بيئات العمل

Laft

اسم الكاتب/ أمل الحامد
تاريخ/

يأتي اليوم العالمي للإبداع والابتكار الذي يصادف 21 أبريل من كل عام، ليذكر بحقيقة باتت واضحة في عالمنا اليوم، وهي أن الإبداع والابتكار لم يعودا قيمة رمزية تُستحضر في المناسبات، ولا مفاهيم ترتبط بالمجالات الثقافية أو العلمية البحتة، إنما هي قوة ناعمة ومؤثرة في مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعامل مهم يُستند إليه في معالجة المشكلات، وخلق فرص جديدة للنمو والتطور. ومن هنا جاء تخصيص هذا اليوم بهدف ترسيخ الوعي العالمي بأهمية الإبداع والابتكار، وتحفيز الأفراد والمؤسسات على تبني التفكير الجديد، وابتكار حلول عملية، وتحويل الأفكار إلى تطبيقات تخدم  المجتمعات والاقتصادات والقطاعات المختلفة.

وتمثل هذه المناسبة فرصة للتأمل في موقع الإبداع والابتكار داخل بيئات العمل، ومدى إسهامهما في توسيع البدائل المتاحة، وصناعة القرارات الواعية والمتزنة. فالجهات اليوم تعمل وسط بيئات سريعة التغير، تواجه فيها تحديات كبيرة ومتداخلة، وتوقعات عالية من المستفيدين والشركاء، وهي ظروف لا يمكن التعامل معها بالاعتماد على الكفاءة التشغيلية وحدها مهما بلغت قوتها. فالكفاءة تحفظ مستوى الأداء وتضمن استمراره، غير أن التحولات المتسارعة تفرض حاجة متزايدة إلى عقلية تعيد النظر في افتراضاتها باستمرار، وتبتكر مسارات جديدة تتلاءم مع المتغيرات الراهنة والتطلعات المستقبلية. 

ومن هنا يظهر أن الإبداع والابتكار أوسع من مجرد إنتاج أفكار جديدة، إذ يرتبطان بطريقة التفكير ذاتها في فهم المشكلات والتعامل معها. فحين ينظر إلى الإبداع والابتكار على أنه فكرة نظرية أو نشاط جانبي، تضيق قيمته الحقيقية، لأنه في الأساس هو منهج عمل يبدأ من الطريقة التي تُفهم بها المشكلات ويُبنى على أساسها الحل. فجهات العمل التقليدية تميل غالباً إلى البحث عن حل سريع للمشكلة دون التعمق في أسبابها الحقيقية أو جذورها، بينما تقوم الجهات الواعية من سؤال أعمق: هل تم تعريف المشكلة بصورة صحيحة من الأساس؟ وعند هذه النقطة يتجلى الدور الحقيقي للإبداع والابتكار، إذ يبدأ بفهم دقيق للمشكلة، ثم بناء افتراضات متعددة حول أسبابها وطرق معالجتها، ثم اختبار هذه الفرضيات للوصول إلى أكثرها جدوى وفاعلية.

وحين يتحول هذا الفهم إلى ممارسة مؤسسية، ينعكس أثره مباشرة على قدرة الجهة في التميز والمنافسة. ففي ميدان العمل اليوم أصبحت الجهات تتنافس على جودة ما تقدمه، وعلى سرعة تطوير خدماتها ومنتجاتها، وقدرتها على تقديم قيمة جديدة، ومرونتها في الاستجابة للاحتياجات المتغيرة. ولهذا، فإن المؤسسات التي تسعى إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية تحتاج إلى جعل الإبداع والابتكار جزءاً من منهج عملها، وتوظيفهما في تطوير أعمالها وتحسينها، لرفع قدرتها على مواكبة تغيرات السوق.

أما عن تفعيل الإبداع والابتكار في بيئات العمل، فيعتمد على ممارسات يومية، لا على الشعارات العابرة أو الأيام العالمية. ويبدأ ذلك بتهيئة بيئة عمل تسمح بطرح الأفكار، وتشجع على التساؤل، وتمنح فرق العمل مساحة للتجربة المحسوبة، وتنظر إلى الخطأ باعتباره فرصة للتعلم والتحسين. كما يتطلب هذا التوجه قيادات تعي أن الأفكار النوعية والمميزة قد تأتي من مختلف المستويات، وأن الجهات الأقدر على النجاح هي التي تحسن الاستماع لأفكار منسوبيها، وتوجهها نحو نتائج عملية نافعة. وحين تأخذ هذه الممارسات مكانها في بيئة العمل، يتحول الإبداع إلى جزء أصيل من ثقافة العمل، ويتجاوز كونه مبادرة مؤقتة ترتبط بوقت محدد.

وفي النهاية، فإن الإبداع حين يحظى بمكانه الحقيقي داخل بيئات العمل، يكون بمثابة قوة تدفع المؤسسة نحو مسار أفضل يمكّنها من الاستمرار والتوسع، ويعينها على توجيه إمكاناتها لتخدم أهدافها.

 



Copyright © Nuss 2023