أوبنهايمر صانع الانتصار والدمار

IMDb

اسم الكاتب/ طامي السميري
تاريخ/

 

قراءة: طامي السميري

 

 

 

في أدبيات الشعوب، وفي كل تاريخ المعارك هناك بطلاً قومياً يحظى بالتبجيل الأبدي، وهذا البطل يكمن مجده في انتصاره على العدو. ولابد أن يكون لهذا الانتصار ضحايا، لكن أعدادهم التي صنعت مجد ذلك البطل غالباً ما تكون رقماً متناغماً مع ويلات الحروب وكوارثها والإنسان بطبيعته في حب البقاء يحاول أن يتكيف مع خسائر العدو، وأن يبررها في سبيل أن يكسب الصراع مع الطرف الآخر.

 

 وفي فيلم Oppenheimer  نجد أن هناك رجل صنع الانتصار لوطنه وأصبح بطلاً قومياً بعد انتهاء الحرب، ثم بعد ذلك تكدر صفو ذلك الشعور بالبطولة، سواء من صانع الانتصار، عالِم الفيزياء النظرية روبرت أوبنهايمر، أو من زملائه العلماء الغيارى، أو حتى من جهات أخرى شككت في وطنيته.

 

إن ما فعله روبرت أوبنهايمر كعالِم فيزيائي هو أنه تجاوز الحد المسموح به للإضرار بالعدو وعدد ضحايا الحروب. فلم يكن عددهم بالعشرات ولا بالمئات وإنما بمئات الآلاف، وفيما لو تكرر قد يصبحون بالملايين في لحظات قصيرة جداً وليس على فترات زمنية متباعدة. هذا الفعل الفادح والذي خرج عن نتائج المعارك الكلاسيكية أخل بقواعد الانتصار وجعل الأمر يأخذ شكل الفناء والإبادة.

 

إن كان روبرت أوبنهايمر شعر بتفوقه العملي في إنجاز اختراعه للقنبلة الذرية، فإنه لم يهنأ بدوره في انتصار أمريكا في تلك الحرب مع اليابان. ليس لأنه الكائن الفاضل، بل لأنه تجاوز فكرة الانتصار في معركة إلى أنه أباد مدينتين من مدن اليابان.  وأن المستقبل لذلك الفعل أمر مخيف لا حد له. ومع هذا كانت نفسه تتوق إلى أن يكون بطلاً قومياً. إنه صانع الانتصار والدمار، وهذا يجعله المعذب والممزق ما بين المجد العلمي والدمار الحربي. وكلها تحت غطاء الانتصار الوطني. لهذا كانت إجاباته ملتبسة ومواقفه كذلك، فعندما قال للرئيس الأمريكي أنه يشعر بأن يداه ملطختان بالدم كان لا بد أن يقول ذلك، لأنه في تلك اللحظة أدرك أن الرئيس بحسه السياسي مزهواً بانتصاره زهواً خالصاً. لهذا تنبه وأراد أن يظهر بمظهر المتباكي على ما حدث، ولم تطمئنه عبارة الرئيس وهو يقول: "أن المسؤول عن ذلك الفعل هو من ألقى القنبلة وليس من صنعها".

 

روبرت أوبنهايمر الذي ظهر بملامح مجهدة، وبصوت قاسي لا يتناغم مع تلك الملامح المرتابة، هو الطالب الذي حاول أن يسمم أستاذه الجامعي، وهو الإنسان الذي لم يكن مخلصاً كزوج، وهو أيضاً الرجل الذي لم يكن عاشقاً وفياً لتلك الفتاة التي انتحرت بأسباب خذلانه لها. والذي له مواقف سياسية متباينة ومتذبذبة. في المقابل كانت شخصيته كعالِم تتسم بالوضوح في أهدافه، وكانت عتمته تملأ جوانب حياته ما عدا الجانب العلمي الذي يشع بالوضوح. لهذا لم يهتم لكل المحاذير في تصنيع تلك القنبلة، وكان يدرك فداحة أخطارها ومع هذا قام بتصنيعها. كان يريد المجد العلمي على حساب فناء البشرية!

 

الفيلم جعل أمر القنبلة الذرية كله على عاتق أوبنهايمر. لكن كان له شركاء، وكانوا لاعبين أساسين في تصنيع تلك القنبلة. قدمهم الفيلم في لحظة نجاحهم وهم فرحين وثملين بتفوقهم العلمي. بل أن أحدهم كانت له مطامح في تصنيع قنبلة أخرى أكثر فداحة. ولهذا اعتقد أن هذا الفيلم ينبه علماء اليوم الذين يتسابقون في ميدان الذكاء الاصطناعي من الرأفة بالبشرية من تصنيع ما قد يتسبب في إبادة البشرية.

 

إن كان الكثير قد أعجبوا بالفيلم من جانبه الفني، ودهشوا للحوارية العالية في مشاهد الفيلم، فإنه حتماً لن يكون هناك متعاطف مع شخصية العالِم الفيزيائي أوبنهايمر، وهو الرجل الذي تسامح مع أعدائه الذين دبروا له المكيدة وورطوه في قضايا سياسية. إلا أنه لم يقدم اعتذاره الصريح عما فعله بالشعب الياباني. كان يعوّل على الزمن ويأمل في أن يتوهج فعله بمرور الأيام. لكن هذا الفيلم أعاده إلى صورة الرجل المُدان، والذي لن تتسامح معه شعوب العالم. والسؤال المهم:

 

كيف يرى المشاهد الأمريكي أوبنهايمر؟ الرجل المدان أم هو البطل القومي؟



Copyright © Nuss 2023