{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}
آية بمثابة ميزان بالغ الدقة توزن به النفس حين تضطرب أعماقها!
فنحن لا نفتقد الحقيقة بقدر ما نراوغها، ولا نجهل ذواتنا بقدر ما نجيد تأجيل مواجهتها، وفي هذا التأجيل، ينشأ عالم كامل داخلنا؛ عالم لا يقل حضوراً عن العالم الذي نعيش فيه، ربما يفوقه أثراً.
نحن لا نعيش في عالم واحد، بل في عالمين متداخلين: عالم خارجي تدركه الحواس، وعالم داخلي تشكله البصيرة.
الأول يمدنا بالوقائع، والآخر يمنحها المعنى.
الأول يضع الحدث، والآخر يقرر كيف يقرأ الحدث.
فندرك أن الواقع لا يكون كما هو، إنما كما نفسره، فالإنسان لا يرى الأشياء بعين محايدة، بقدر ما يراها بعينٍ مشبعة بتاريخه بتجاربه بخوفه بأمانه بانكساراته، وبكل ما لم يقال فيه يوماً، لاسيما أننا نحمل معنا نسخنا السابقة، ليست كذكريات عابرة فقط، ولكننا نرى فيها قوى حية تعيد إنتاج الحاضر.
وهنا تتجلى النظرية في أعمق صورها:
"نحن لا نعيش الحاضر وحده، إنما نحمله مثقلاً بماض لم يهذب بعد".
فكل ردة فعل فينا، هي نتيجة حوار داخلي صامت بين نسخنا القديمة ووعينا الحالي. وكل خوف مبالغ فيه، وكل انجذاب غير مفسر، وكل انفعال لا يتناسب مع حجم حدثه، هو في حقيقته صوت قديم وجد فرصة ليسمع.
والجميل في ذلك، أن هذا الصراع الذي يحدث بين العالمين "بين ما نعيشه وما يعيشنا" ما هو إلا بداية النضج، ليس خللاً! لأنك في تلك اللحظة، لا تعيش موقفاً فقط، إنما تمسك بنفسك، تمسك بكل نسخك السابقة، تحاورها، تهذبها، تعيد ترتيبها، وتحدد أي صوت داخلي ينبغي أن يُسمع الآن.
وما أن شهدت هذه اللحظة، حتى تهاوت مسلمةٌ اعتادها الناس دون مساءلة!
نظن أن النضج يعني التخلي عن تلك النسخ، في حين أن الصواب أن نحتويها. فالنسخة التي كنتها يوماً ما، رغم أخطائها، رغم اندفاعها، رغم نقصها، هي التي أوصلتك إلى وعيك الحالي، هي التي أخطأت لتدرك، واندفعت لتتعلم، وسقطت لتفهم، فكيف تنكر ما كان سبباً في وصولك؟
إن الامتنان لتلك النسخ ليس ضعفاً، بل وعي، أن تقول: “كنت أقل، لكنني كنت صادقاً في محاولاتي" هذه جملة لا يستوعبها إلا من فهم معنى النمو وعاش عمراً ساعياً في المحاولة، ما أن سقط حتى نهض مره أخرى واستمر في المحاولة، قوة وطاقة لا تنضب، راجياً بلوغ القصد.
والأعجب من ذلك!
أنك بعد زمن، ستنظر إلى نسختك الحالية، وستراها ناقصة كما ترى ما قبلها الآن، وسترضى عن نسخة لم تأت بعد، وهكذا تستمر الرحلة، نحو اتزان أصدق، لا نحو الكمال.
وهنا، نصل إلى أدق نقطة في هذه النظرية:
"الإنسان يسير دائماً على وتر رفيع بين عالمين، إن مال كلياً إلى الخارج فقد نفسه، وإن انغلق كلياً في الداخل فقد العالم".
فالأول يصبح تابعاً، يستمد قيمته من الناس، ويسلم وعيه لما يقال، ويعيش وفق ما يفرض، والآخر ينغلق في قوقعته، يصدق تأويله وحده، ويشكك في كل ما سواه، حتى يفقد القدرة على رؤية الواقع. وكلاهما ضياع، وإن تباينت تجلياته.
أما الاتزان، فهو أن تمسك تلك الشعرة الدقيقة بين العالمين، أو كما يقول آباؤنا "أن تمسك العصا من النصف".
أن تستمع لنفسك دون أن تسلمها كل شيء، وأن ترى العالم دون أن تذوب فيه، أن تكون حاضراً في الخارج، واعياً في الداخل، منفتحاً على الحياة، دون أن تفقد صوتك الخاص، وهذا لا يتحقق إلا بشيء واحد: الاعتدال الواعي.
أن تقرأ الحياة من أكثر من زاوية، لأن زاوية واحدة لا تنصف الحقيقة، أن تدرك أن اختلاف التجارب يعني اتساعها لا يعني تضارب الحقائق، أن ترى الجمال في التنوع، لا التهديد فيه، فالحياة جملة من التجارب، ليست قالباً واحداً، وكل تجربة تضيف لك بعداً جديداً في فهم نفسك وفهم العالم من حولك.
وأخيراً ها أنت ذا وصلت إلى وجهتك من النظرية:
"تحول الصراع إلى رسالة، والحيرة إلى وعي، والتقلب إلى نضج".
تدرك أن تهذيب النفس عودة إليها ليس صراعاً ضدها، أن تنقيها من تشوهات الفهم أن تعيد ترتيبها، أن تخفف الزحام داخلها، حتى ترى بوضوح، وتشعر بصدق، وتختار بوعي. وحين تفعل ذلك، يحدث التحول الأعمق:
"حين تهذب نفسك، يهذب الله لك حياتك".
فتستقيم قراراتك، وتنضج علاقاتك، وتتسع رؤيتك، ويهدأ عقلك وقلبك.
لأنك وبكل بساطة آثرت ملامسة الجذر، بدل الانشغال بما يتفرع عنه، إيماناً أن من استقام أصلة، انقادت له الفروع دون عناء.
وفي النهاية..
ليست المسألة: أي العالمين أصدق؟ ولكن المسألة الأهم كيف نجعل كليهما في انسجام واحد؟
لتعيش بوعي يكفي لتفهم، وبهدوء يكفي لتتزن، وبصدق يكفي لتكون، حينها فقط، لن يكون هناك مكان للصراع، وجل ما يكون هو انسجام هادئ بين ما فيك، وما حولك، وهذا في جوهره ليس سوى رحلة تهذيب مستمرة، من ذات تفسر إلى ذات تبصر.