وقفت (رهف) أمام بوابة منزلها، تهلّل وجهها فرحاً كناجٍ من معركة طاحنة وقالت: "الحمد لله وصلت إلى البيت… آه يوم عمل شاق، شعرتُ بأنه لن ينتهي، وسأبقى عالقة فيه إلى الأبد، منذ زمن لم أعش مثل هذا الكابوس".
قرعت الجرس لم يجبها أحد: "يا الله لابد أن أفتش عن المفتاح" وضعت ملفاتها على العتبة فتحت حقيبتها السماوية اللون وبحثت عنه بلهفة، "أخيراً وجدته"… أدخلته في قفل الباب وأدارته حتى فُتح… حملت أغراضها، وتوجهت مسرعة إلى السلّم المؤدي إلى غرفتها في الطابق العلوي. انتصبت عند الدرجة الأولى، ونظرت بإعياء إلى الأعلى وقالت: "كم كنتُ أتمنى أن أمتلك بساطاً سحرياً يحملني إلى حجرتي" أحاطت مقدمة رأسها بإبهامها وسبابتها في محاولة يائسة منها في حصار الصداع الذي لازمها في الساعات الأخيرة من الدوام… وبّخت نفسها قائلة: "كفي عن هذا الخيال السخيف" تسابقت قدماها في صعود الدرج حتى وصلت إلى غرفتها. فتحت الدولاب، وقفت على أطراف أصابعها، وضعت حقيبتها على الرف.. اختل توازنها.. وأسقطت الصندوق المزين بالزهور طار الغطاء وتناثرت أشياؤه كفراشات ربيعية حالمة حلقت في الأجواء، تبعث معها لحظات على وشك الاحتضار. وقع بصرها على تلك المذكرة الزرقاء التقطتها بيدها ورمقتها بعينيها، مررت أناملها على ذلك الاسم المحفور في الزاوية اليمنى من الغلاف.
ظهرت البشاشة على محياها وقالت: "طيلة حياته لم يستخدمها كمفكرة لم يكتب فيها مواعيده، أو خططه إنما دوّن فيها أهم الأحداث، وكأنها سجل مصغّر لما شَهِدَه في حياته.
قلبت (رهف) الصفحات على عجل متتبعة الأعوام المكتوبة في الحاشية (1981 – 1980 – 1979 – 1977) ثم دققت النظر في العام الذي يليه(1982) وشرعت في القراءة:
أحداث ((1982:
- وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود ملك السعودية "رحمه الله".
- تولية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود مقاليد الحكم في المملكة.
- زواج ابن جارنا (عبدالله) في تاريخ 3 من شهر أكتوبر.
- مسك الختام ولادة حفيدتي الثانية (رهف) في تاريخ 15 من شهر ديسمبر. ضاء وجهها وقالت: "هذه أنا، هذا تاريخ مولدي".
استمرت في تصفح الأوراق حتى وقع بصرها على سنة (1991):
- أعلن الديوان الملكي السعودي أن يوم الإثنين: 15 إبريل أول أيام عيد الفطر المبارك.
اعتصر فؤادها الحنين وقفزت الذكريات من رأسها، وتراءت أمام ناظريها. أطبقت جفنيها وكأنها تعيد ترميم ما بهِت من ذكرياتها معه مسترجعة صورته المعلقة على جدار قلبها: ثوبه المكوي بعناية، غترته المنسدلة على كتفيه، حاجبيه المرتبين، شاربه المشذب، لحيته المصبوغة بدقة؛ أسنانه اللامعة الملتصقة بها رائحة السواك، وعطر المسك الممزوج بنسيج لباسه، ترحيبه الدائم بها، وثناءه المستمر عليها.
أطلقت تنهيدة حارة وقالت: أتذكر جيداً هذا اليوم، فقد بالغ في الإطراء على ثوبي حتى كدتُ أذوب خجلاً: ناداني قائلاً:
ياحلوتي ماهذا الفستان الزهريّ الرائع؟! من اختاره لكِ؟
أجبته: أنا من اخترته؟
علق قائلاً: توقعتُ ذلك فهو أجمل ملابسك على الإطلاق. إنكِ تتمتعين بذوقٍ رفيع مثلي. تعالي اجلسي بجواري حتى أراه عن قرب. قعدت ملتصقة بجانبه الأيسر، مسح على رأسي مداعباً خصلات شعري المنسدل على جبيني وسألني: كيف حالكِ مع أخيكِ (أحمد) أطرقتُ حزناً، ناداه: أحمد أحمد…. لايصح ماتفعله… توقف عن مضايقة أختك فهي تكبرك بثلاث سنوات.. إن الرجال لا يتصرفون هكذا… عدني بألا تكرر تصرفاتك المقيتة معها.. رد أخي ممتعضاً: أعدك ألا أزعج رهف مرة أخرى. أمره بأن يعتذر مني على ما بدر منه تجاهي. تأسف أخي على مضض ثم ركض بعيداً؛ لإكمال لعبه مع بقية الأولاد. مال إلي وطبع قبلة حنونة على خدي الأيمن، ثم طرح علي سؤالاً آخر: أما زلت تحفظين سورة الرحمن التي فزتِ بها في مسابقة القرآن الكريم في مدرستكِ العام الماضي؟ ظهر علي الارتباك، فلفني بذراعه اليسرى، متفحّصاً قرطي اللؤلؤي؛ ليتأكد من ملاءمته لأذني وهمس بصوته الحنون: لابأس إن نسيتِها، سنرددها سوياً حتى تحفظيها من جديد، ثم أخرج من جيبه ساعة تقليد (رولكس) ألبسني إياها، لاحظ شرودي، فاستفسر عن ذلك قائلاً: بمَ تفكرين؟ اعترفت له قائلة: جدي أتمنى أن تكون عيناي عسليتين مثلك، قال: إذن لا بد أن تكسوكِ التجاعيد. تعجبتُ قائلة: لماذا؟ إنني أريد أن أصبح شابة؟ أجابني: هذا هو الشرط، فأنا لم أكتسب هذا اللون إلا عندما أصبحتُ شيخاً كبيراً، قلتُ مغتاظة: لا يروقني ذلك، أفضّل أن أبقى بحدقتين سوداويين على أن أصبح عجوزاً بمقلتين تشعان بهذا اللون من ثنايا جفنين مترهلين. أعطاني كيساً مليئاً بالحلوى القطنية المميزة عندي مطلقاً ضحكته التي واست قلبي الصغير، والتي مازال صداها عالقاً في مسامعي بعد كل هذه السنين.
أغلقت (رهف) المفكرة، نهضت من مكانها متوجهة إلى المرآة، ونزعت عدستيها اللاصقتين عسليتي اللون.