كنت أسير في إحدى الطرق، مُلملماً في جعبتي ما تبقى لي من قوة في يوم عسير، صَعُب فيه أن أنال ما أريد؛ حتى بدا لي الخوف مما هو قادم، وجعلني أرتعش رعشةً خفيفة. إذ بدت الأفكار القاتمة تلوح في أفقي، وتتجه نحوي بسرعة فائقة، ولم تترك لي فرصةً قبل أن تلتهمني.. وحينها نظرت إلى جانبي قليلاً لأرى ظلاً طويلاً يلاحقني، يمشي رويداً كلما مشيت خطوةً للأمام، لكنني لم أجرؤ على النظر إليه.
وقبل أن أملك لحظة ما في الزمن، تدعوني بالنظر للخلف، لأرى من ذا الذي يلاحقني بخفة، لا يُسمع فيها إلا حفيف أوراق الشجر على قارعة الطريق؛ سمعت صوت ورقةٍ سقطت بملمسها الخفيف على الأرض.. وعندها أخرجت كل ما تبقى لدي من شجاعة، وأنا أتعرق ملتفتاً، فلم أرَ الظل الطويل، إلا أنني رأيت رسالةً مكتوبةً بخط اليد، فمددت يدي إليها.. وفيها قرأت:
"أهلاً مجهول،
رأيتك مسرعاً في الطريق، تتهادى يمنةً ويسرةً بلا وجهة، وتبدو عليك آثار التعب، وعضة الجوع، وتشنج الأطراف، كمن يهرب من مصير سيجده أمامه لا محالة. وإليك، أدعوك بأن يهدأ روعك بكلمات، لعلها تجد في نفسك شيئاً فتطيب بها.
إياك والخوف، إياك أن تسمح له بأن يستحوذ عليك؛ ستراه بكل أمر أنت مقدم عليه، ستراه في لقمتك التي ستأكلها لأنها تحمل في طياتها سمنة أو زيادة وزن في نظرتك، ستراه في كل ملعقة ملح أو سكر سترغب في رشها على طعامك الذي تحضره لأنها قد تكون تعبيراً عن مرض مزمن قادم في مستقبل قريب أو بعيد، ستراه في نبضات قلبك المتسارعة كلما ظهرت في وجهك حبة حمراء لأنها تعني أنك صرت أقل حظاً في الجمال وأقرب للقبح.
ومن ثم فإن الخوف تربة سوداء لا تكتفي عن امتصاصك أكثر فأكثر، سيصبح كل إنسان عدواً محتملاً قد يسبقك إلى أمر ما، وكل قرين من جيلك سارقاً لشيء أنت رأيته لك؛ وبناءً على كل ما سبق سيصبح لزاماً عليك أن تختار إما أن تستبطن كره ذاتك أو احتقار نفسك، حتى امتهنت فيها كرامتك التي وضعها الله بين جنبيك، فتزيد فورة الدم في عروقك التي تنضح بالحياة، ويقشعر جلدك؛ استعداداً لمواجهة وهمية لم تُنسج إلا في خيالك.
هكذا هو الخوف، يقودك مسلوباً ويضعك بين مفترق لطريقين لا ثالث لهما، يحدّ أفق رؤيتك فلا ترى الدنيا إلا بلونين فقط، وهذا الضيق، لهو عين الوهم في العالم الذي يصنعه الخوف للإنسان، ويرميه فيه فلا يجد له مخرجاً منه.
إن كل شعور جميل ملطخ بالخوف تجده مشوهاً أو ناقصاً، فها هو الحب أسمى المشاعر التي وضعها الله في الإنسان، يصبح قيداً ومبعثاً للقلق إذا اقترب منه الخوف واستحكم منه، إن الحب قبسة إلهية وضعها الله لك في قلبك، ولا جزاء لذلك الحب إلا حب آخر، حب لا تشوبه ذرة خوف من أن تُؤذى، ولكن أين ذلك الحب عندما يختلط بالخوف؟ هل هو زمان ما تعيش يقظتك وحلمك فيه، وتتخيله لأنه وبكل حسرة فاتك، أم قادم تترقب قدومه؟ سأجاوبك: ستشعر فيه بالأمان بك أولاً.
لو قطعت الدنيا بصحاريها وأنهارها وفيافيها وقفارها، ولم تسعد بنفسك التي بصدرك، لن تسعدك كنوز الأرض، وبالطبع لن تجد الجواب عند طبيب يريد أن يصرف لك دواءً سحرياً، ولا عند أصولٍ ستغدق عليك بها فكرة تجارية رأت النور. كل ذلك منبعه أنت، نفسك التي تقبع في صدرك، أراضية هي أم ساخطة، أمرتاحة أم خائفة فزعة من نفسها، ومن كل ما حولها، أقريرة هي أم تغلي كغلي القدور على النيران، مما تغلي به الصدور عادةً.
ومن ثم فاعلم أنه إن كانت أسمى المشاعر الإنسانية تُلطخ بالخوف؛ فإنّه من باب أولى أن يُلطخ ما دونها من مشاعر وأحاسيس، فالاحترام إن شابه الخوف صار نفاقاً، والكرم إن شابه الخوف صار ضعف يقين بعطاء الله وجوده عليك، والذكاء والفكر إن شابهما خوف صارا هماً على صاحبهما يود لو يصير أحمقاً؛ فيهرب من الشقاوة وهو في النعيم! وحتى إن تجاوز ذلك، وهذا من ديدن الخوف وعادته أن يتجاوز ذلك ويعلوه إن لم تضع له حداً، ستراه متمثلاً في كل شيء، في ذلك الذي رفضك في مقابلة عمل، وفي رقم أو رقمين لضغط دمك الذي يرفض نزولاً البتة!
وبعد أن علمت أين تجد سر الأمان في هذه الحياة، فبداهةً علمت الآن أنه عملة نادرة، إن أضاعه الإنسان لن يجده في مكان آخر، وما أكثر الباحثين عنه، ويا لخيبتهم! يسمونها السعادة أو راحة البال أو الهناء والرضا وأنا أسميه لك الأمان، أتعلم لماذا؟ لأن ضده الخوف، لأن الخوف عدوه اللدود الذي يسعى لامتصاص نوره كظل قاتم أسود يمتص أي ضياء يلمسه، ولأن بقية المسميات لا توضح أضدادها حقيقة العدو الذي يجب أن تحذر منه في هذه الحياة، وإنما لا تعدو أن تصف ملمحاً منه أو سمة، دون أن تكشفه على حقيقته، هو الخوف وليس سواه، وبقية السمات مما تسمعه من حزن وغم وكدر وسأم وكآبة ويأس إنما هي حُلل تزين بها هذا العدو الغادر. ولن تجد سيفاً تواجهه فيه إلا بشعورك بالأمان، دامت أنفاسك تجري في عروقك؛ لتكن شجاعاً في المواجهة".
قرأت الرسالة.. ثم نظرت بعيداً لعلي أجد ذلك المجهول، فلم أجده. وعندها استجمعت ما في خاطري، وقررت أن أبادله الرسائل في ذات المكان، وعند كل مرةٍ أرى فيها ظلاً طويلاً، سأضعها له، حتى وإن طال بي الزمن، سيجدني هناك في كلماتي، أرقب كلماته!