من لغةٍ واحدة.. إلى ألف لهجة

ماجد اليوسف

اسم الكاتب/ مي العتيبي
تاريخ/

نعلم جميعنا أن اللغة العربية لغة متشعبة وعميقة بشكل لا يمكن أن نتصوره، فهي ليست مجرد كلمات ننطقها أو كتابات نخطها؛ بل هي محيطٌ كبير وعميق يحمل معه كلمات ومرادفات مكونة من 28 حرفاً، يُبحر بها القارئ ليرى ما في آفاقها ويَغوص بها الكاتب ليعبر عمّا في جوفها.

ومهما بلغت من العلم لن تصل إلى أقصى اللغة العربية، فكل مرة تُبحر فيها تكتشف عوالم جديدة وآداب آسرة تلمس مشاعر القارئ وتُطلق عنان الكاتب، فلغتنا البديعة تحمل تحت ظلالها لهجات عديدة تخلق من الكلمة معاني كثيرة لتدون لنا معجم كبير نتعجب منه!

عُد معي أيها القارئ إلى الوراء لنصل إلى عصر وتاريخ الأدب العربي ألا وهو (العصر الجاهلي).

وقد يتبادر إلى ذهنك أن (العصر الجاهلي) أقصدُ به كل ما سبق الإسلام من أزمنة، وأن (الجاهلية) التي أُطلقت على هذا العصر يقصد بها الجهل الذي هو ضد العلم؛ إنما تُعرف بالسفه والغضب والنزق، فهي تقابل معنى الإسلام التي تدل على الخضوع والطاعة لله عز وجل، وهو العصر الذي تكامل فيه نشوء الخط العربي وتَشكله تشكلاً تاماً.

وعلى الرغم من عمق الأدب الجاهلي، لكنني سأسلط الضوء على موضوعٍ شائق ومتشعب، وهو (اللهجات الجاهلية)؛ فكانت هناك لهجات كثيرة تميزت بها بعض القبائل، وظلت آثارها واضحة على ألسنتهم، فسجّلها اللغويون، ومن هذه اللهجات:

 

الكشكشة والكسكسة، وهما تخصان ضمير المخاطبة إذ كانوا يُلحقون بكاف المخاطبة شيناً أو سيناً في الوقف وفي الوصل أحياناً، فيقولون: رأيتكش وعليكش، أو رأيتكس وعليكس، ومنهم من يحذف الكاف ويضع بدالها السين أو الشين.

العنعنة، وهم من يجعلون الهمزة عيناً في بعض الكلمات، فيلفظون استعدى بدلاً من استأدى، ودأني عوضاً عن دعني.

الفحفحة، وهي قريبة من العنعنة إذ تبدل الحاء عيناً، فيقولون في حتى عتى.

التلتلة، وهم من يكسرون الفعل المضارع فيقولون: تِعلمون وتِكتبون، كما في العامية المصرية.

ومن ذلك العجعجة، يجعلون الياء المشددة جيماً، مثل: تميمج عوضاً عن تميميّ.

الوهم، وهي تنسب إلى قبيلة يمنية، ويُقصد بها كسر الهاء في ضمير الغائب، وإن لم يكن قبلها ياء ولا كسرة، فيقولون: منهِم وعنهِم.

الوكم، إذ يكسرون الكاف في ضمير المخاطب إذا سبقها ياء أو كسرة، فيقولون: عليكِم وبكِم.

الطمطمانية، واشتهرت عند أهل اليمن إذ يبدلون لام التعريف ميماً فيقولون في السهم والبر والصيام: امسهم، وامبر، وامصيام.

الشنشنة، كذلك تنسب هذه اللهجة لبعض القبائل اليمنية، حيث يجعلون كاف الخطاب شيناً، -وهي تشبه الكشكشة التي ذكرتها- فيقولون: لبيش اللهم لبيش، بدلا من لبيك اللهم لبيك.

كما ينسبون إلى بعض أهل حُمير أنهم كانوا يجعلون السين تاء في بعض الكلمات، ومنها: استعمال النات بدل الناس، والأكيات بدل الأكياس.

 

اللهجات العربية كثيرة ولا يمكن حصرها في عدة أسطر، وهذا قد يكون سبباً في فتح باب الترادف في العربية بشكل مفرط، بسبب اختلاف اللهجات واختلاف القبائل فيما وضعته من معاني؛ وبذلك اتسعت مادة المعجم العربي اتساعاً كبيراً، وليس باب الترادف وحده بل باب الأضداد كذلك؛ إذ نجد كلمة واحدة تستعملها قبيلة بمعنى، ثم تشيع عند قبيلة أخرى بمعنى مضاد يناقضه، مثل: السّدفة في لغة تميم تعني الظلمة، وعند قيس تعني الضوء. وعن ابن دريد قال: "خرج رجل من بني كلاب أو من سائر بني عامر بن صعصعة إلى ذي جَدن، فأطْلع إلى السطح والملك عليه، فلما رآه الملك اختبره، فقال له: ثبْ أي اقعد، فقال: ليعلم الملك أني سامع مطيع، ثم وثب من السطح. قال الملك: ما شأنه؟ فقالوا له: أبيت اللّعْن! إن الوثب في كلام نزار الطفر (القفز)، فقال الملك: ليست عربيتنا كعربيتهم".

فالاختلافات بين لهجات القبائل ألفت لنا معاجم وأمدت اللغويين بمفردات وعبارات لا تنفد، ولعلنا لانبالغ إذا قلنا أن لغة من اللغات لايمكن أن تجاري العربية في جميع أبوابها، فهي متشعبة وواسعة تسمح للكاتب والقارئ الانغماس في مدى روعتها ورصانتها وبلاغتها؛ فهي لغة البيان والفصاحة، والمعجزة التي أُنزلت على سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-.

 

 



Copyright © Nuss 2023