تحية طيبة أيها الصديق العزيز،
ما أحوالك؟ أرجو أن تكون بخير، أنت وزوجتك اللطيفة وابنتيك الظريفتين؛ بلّغهنّ سلامي من فضلك.
مررتُ قرب منزلك اليوم ولمحتك عبر النافذة منشغلاً مع ضيف، فلم أشأ أن أُقاطعك، لكن لا بأس، فلن أُطيل عليك.
حسناً.. لا أحسبك تعرفني، غير أنني أعرفك جيداً؛ ومن يجهلك؟ فأنت رجل قدير عُرف بإنجازاته وأعماله العظيمة، وقدوة لكل طموح؛ أرى ذلك، وأصدقك القول إن إعجابي بك لا ينضب، بل يتزايد يوماً بعد يوم حتى يدفعني إلى أن أتمنى بشدة أن تكون على طاولتي.
تمهل، أرجوك لا تُسئ فهمي؛ فأنا طبيب أعالج الناس وأنقذ أرواحهم، أقص جلودهم وتتلطخ يداي بدمائهم كل يوم، ثم أخيط جراحهم بدقة متناهية بهاتين اليدين الماهرتين. أترى؟ إنني رجل طيب القلب، طبيب حسن السمعة.
غير أنني أود أن أفضي إليك بسر، يا صديقي العزيز، سرّ يثقل كاهلي ويؤرق مضجعي منذ زمن غير قصير، ولعله يعود إلى أول يوم باشرت فيه هذه المهنة الشريفة.
أنا طبيب كما أسلفت، نطقتُ نص القسم بصوت جهير واضعاً يدي على قلبي، مرفوع الرأس، مدركاً تمام الإدراك أهمية عملي وجسامة الأمانة التي أحملها؛ غير أن العجب كل العجب أن أحداً لم يلحظ ارتجاف يدي، ولا تعثر أنفاسي، ولا خفقان قلبي المتسارع كلما وُضع جسد مخدر على الطاولة أمامي. أكاد أضحك، بل إنني أضحك وأنا أكتب إليك هذه الرسالة. لا أحد يعلم، لا أحد!
ولكن آه يا صديقي، لم أعد أستطيع إخفاء هذه الرغبة، ولم أعد أطيق كتمان هذا السر؛ فأنصت إليّ جيداً، أرجوك.
أنا طبيب ينقذ الأرواح ويتلقى الثناء على جهوده؛ غير أن أحداً لا يدري كم مرة راودتني فكرة غرس الشفرة في أجساد المرضى الغائبين عن الوعي، وكم مرة خطر لي أن أمزق أعضاءهم وأدوس عليها بقدمي، وألا أخيط الجراح، بل أتركها مفتوحة أرقب سيلان الدم القاني على الطاولة ثم انحداره إلى الأرض. أتخيل ذلك في كل مرة. أتخيل أنني أجلس على كرسي أتأملهم مبتسماً لسخرية القدر منهم، فهم مخدرون، والله وحده يعلم أيّ أفكارٍ كانوا يصارعونها قبل لحظات؛ رغبةً في الحياة، وخوفاً من الموت، وأملاً في النجاة لأنهم تحت رعاية طبيب ماهر.
وماذا لو وقع أمر ما؟ ماذا لو فارقوا الحياة؟ لن يُعزى ذلك إلى عملية أخفقت، بل إلى عطش استبد بروحي وأضناني. لقد خلصتُ أخيراً إلى أنني بحاجة إلى شخص يكون الأول، المختار، كي أحقق أمنيتي قبل أن يستفحل جنوني فأرتكب حماقة على مرأى من الجميع، ولا أرى أنسب منك.
يا له من شرف، أليس كذلك؟ رجل مثلك على طاولتي، ورجل مثلي يتولى أمرك إلى الأبد؛ إن مجرد التفكير في ذلك يكاد يدفعني إلى القفز من فرط النشوة!
لكن لا.. ليس الآن؛ فقد كشفت لك سري، ولا ريب أنك ستغدو أكثر توجساً وحذراً. لكن ثق أنني سأصل إليك يوماً، ولو بعد حين؛ ما إن تطمئن وتحسبها رسالة عابرة حتى تجد نفسك على الطاولة. سأقطعك عندئذٍ ببطء، ربما من غير تخدير، إذ أود أن أُسامرك قبل أن تسلم الروح.
ما رأيك في كوب شاي قبل أن نبدأ؟ فكرة حسنة، فهو شرابك المفضل؛ سأعد لك أطيب كوب شاي تذوقته في حياتك، وسيكون الأخير.. نعم، الأخير يا صديقي.
تحياتي،
معجبك المخلص.