فيما نسمّيه صدفة وإن كانت الصدفة في حقيقتها اسمٌ آخر للقدر، تلتقي في حياتك بشخص يشبهك بطريقة أبعد عما يحتمله الواقع ويصعب حينها التفسير، وأقول كما قال عبد الرحمن منيف: (بعض اللقاءات ليست مصادفة، بل استجابة خفية لنداء الأرواح)؛ تقف أمام هذا الشخص وكأنك واقفاً أمام مرآة (مرآة روحية)، فأنا أؤمن أن الأرواح حين تتشابه، تتقارب ملامحها أيضاً. تقف أمامه فتجد أن روحه تشبه روحك، وحديثه ينسجم مع حديثك، بل يصل التشابه إلى طريقتكم في صناعة النكتة، ويبلغ الأمر إلى تشابه لغة الجسد أثناء ثورات الغضب واجتياح الحزن.
كيف يمكن أن نشبه بعضنا إلى هذا الحد؟
قبل أن أنطق الجملة، تقولها أنت. وقبل أن تنهي عبارتك، أجدني أكملها. أشبهك في المواقف، وتحاكيني فيها، في تصرفاتي شيء منك، وفي ردودك شيء مني.
يقول الفيلسوف جوته: (ثمة أشخاص يمرّون في حياتنا، فنشعر أن أفكارنا كانت تنتظرهم)، هؤلاء الأشخاص يقدمون لنا شكلاً من أشكال الأمان، فأن يشبهك أحد يعني أن هناك من يفهم صوتك الداخلي، ويستوعب ردّات فعلك تجاه الأمور والأشخاص، وحتى ذلك الجانب المختلف والمميز فيك. هنا يحدث أن تُكمل أحداً كان وحيداً بأفكاره في هذا العالم الكبير، وأن يكملك بعدما ظننت أنك غريباً ومغترباً داخل حدودك. ويمتد هذا التشابه إلى مكانٍ أبعد، إلى مساحة روحانية خالصة، حيث يحدث التخاطر، وحيث تشعر بالآخر وهو بعيد عنك، كأنه حاضر أمامك يفصل بينك وبينه شبر، لا أميال وبلدان.
نشبه بعض؟
هذا ليس سؤال، بل تساؤل مغلف بالدهشة!
جوابه لا يقف عند نعم أو لا، لأن الإجابة تكمن بينك وبينه، بين جسديكما (الشكل الخارجي والمادي) وبين أرواحكما الجانب المعنوي، وبين أفكاركما (الجانب الفكري)، فالسؤال الأعظم هنا هو: كيف أصبحنا نشبه بعضنا إلى هذا الحد؟
وكيف أدت طرقنا إلينا على الرغم من وعورة الطريق وتباين النفوس!