استيقظت ذات صباحٍ ضبابي، وحيداً في غرفتي الرمادية، على وقع ضحكاتٍ رنانة متواترة. ظننتُها خيوطاً من حلمٍ تائه تسللت إلى يقظتي، غير أن الضحكة عادت، مشوبةً هذه المرة بسخريةٍ لاذعة، أشبه بشفرة تمزق بقايا النعاس العالقة.
نهضت متثاقلاً عن فراشي الوثير، وأرهفت السمع علّني ألتقط طرفاً آخر من ذلك الصوت الغريب. لكن صمتاً مطبقاً أحاطني؛ فهمست لنفسي، وأنا أمسد جفنيّ المثقلين، أنني لا بدّ أهذي. كدت أُسلم جسدي للفراش مجدداً، طامعاً في غفوةٍ هانئة، حين باغتتني الضحكة مرة أخرى، مجلجلةً وواضحةً كضياء الشمس المنبعث من نافذتي، تلاها نشيجٌ حزينٌ يمزق نياط القلوب، فما كان مني إلا أن لمست وجنتيّ بأناملٍ مرتعشة، أتحقق أنني لست من يذرف تلك الدموع. لا، لست أنا… فمن أين تأتي هذه الأصوات إذاً؟
تعالت الضحكات، وخُيّل إليّ، في تلك المنطقة الفاصلة بين الحلم واليقظة، بين العقل والجنون، أنها تصدر من فوق مكتبي. وقفت مترنحاً، أُحدّق بذهول في مذكرتي البيضاء، تلك التي قضيت الليل كله أصارع صفحاتها الفارغة، أحاول بيأس أن أخط أي سطرٍ ذا معنى عليها، انتقلت عيناي بعد ذلك إلى القلم المُلقى بجوارها، كأنه جندي جريح بعد معركة خاسرة.
ثم، ودون سابق إنذار، صاح أحدهم:
تراجعت مرتعداً إلى الخلف، مستنداً بيمناي إلى الطاولة الصغيرة بجانبي، محاولاً استعادة توازني إثر سماع هذا الصوت الذي لا أتعرّفه بوصفه صوتي. «حلم، أنا أحلم»، هذا ما قلته لنفسي وأنا أتقدم بخطواتٍ مترددة نحو مكتبي. جلست على المقعد، ورحت أتأمل الورقة البيضاء بقلبٍ مُفعّم بالقلق من احتمال أنني فقدت صوابي.
أجابني الصوت بنبرةٍ هازئة، تكتنفها قسوة:
رمشت في حيرة؛ هذا ليس صوتي بالتأكيد، ولا صوت أيٍّ من الشخصيات القصصية التي ابتكرتها في مخيلتي. أجبت متلعثماً، رغماً عني:
رد عليَّ بصرخةٍ حادة مُفزعة:
وثبت من مقعدي كالملدوغ، تكاد عينيّ تخرجان من محجريهما، وجسدي كله يرتعش كورقة خريفية في مهبّ ريحٍ عاتية. رحت أدور حول نفسي في الغرفة الصغيرة، أُبسمل وأحوقل مراراً وتكراراً، يا الله! هل جننت حقاً؟.
توقفت فجأةً، وحدّقت في القلم والورقة الراقدين ببراءة على المكتب. أدركت أنني أبدو كالمخبول، ولو كانت هناك كاميرا خفيّة مُثبتة في مكانٍ ما، لمات من فرط الضحك أيّاً كان من يرقبني وأنا أقترب ثانيةً من المكتب، متخذاً وضعية من يتأهب لمصارعة ثعبان لا يدري أهو نائم أم يقظ.
خطوت خطوةً إلى الأمام، ثم تراجعت خطوتين، وبدأت أقفز حول المكتب بقفزاتٍ صغيرة متتالية، مستعيداً حركات المقاتلين في الأفلام القديمة. وعندما استجمعت شجاعتي أخيراً، مددت ذراعي وصفعت السطح بحركة عصبية مفاجئة، فسقط تمثال صغير كان يستقر عليه، وانسكب الماء القليل المتبقي في كوب زجاجي. أصابني ارتباكٍ تام حين لم يحدث شيء؛ فمددت يدي مرة أخرى وصفعت خدي بقوة، حتى رأيت نجوم النهار تتراقص أمام عينيّ. إن كان هذا حلماً، فلا شك أنني سأُفيق منه حالاً.
كان هذا الصوت نفسه، لكنه بدا حائراً ومشوشاً. ورغم غرابة الموقف، لم أتمالك نفسي من ضحكٍ هستيري مشوبٍ بالذعر، حتى غمرت حرارة الدموع وجنتيّ. قلت بين ضحكاتٍ متقطعة:
لم يأتني أيّ رد لفترة تتراوح بين خمس وعشر دقائق، وقد أتاح لي هذا الهدوء فرصةً لتتوقف ضحكاتي أخيراً. لم يطرق أحد الباب ليسأل عمّا يجري، فأنا أعيش وحيداً في هذا المكان، وهناك صوت غامض يحدثني!
جلست على المقعد مسترخياً، ودرتُ به قليلاً إلى اليمين واليسار، والابتسامة لا تفارق وجهي. تأملت السقف المُصفر بفعل سنوات من التدخين، شهادة صامتة على عادةٍ قبيحة لم تنقطع يوماً، ثم قلت:
جاءني الجواب جافاً، خالياً من الفكاهة:
استوقفتني كلماته فاعتمدت بمرفقيّ على حافة الطاولة وسألته:
ضحك ضحكة خافتة مجيباً:
صمت هُنيهةً أفكر فيما قيل، ثم تملّكني غضب لا أدري مصدره. أجبت بحدّة:
كدت أجيبه، لكن ذلك النشيج الذي رافق الضحكات في البداية عاد على حين غرّة. لم أُهلع هذه المرة، بل ساورني انزعاج طفيف، فقلت للصوت الغامض:
ارتفع النشيج حتى شعرت به يخترق أذنيّ، فصحت به:
تغضن جبيني بتجهُّم شديد، لكنني فعلت ما طُلب مني على مضض، وأنا أحدّث نفسي قائلاً: «ستنتهي هذه المسرحية الهزلية عمّا قريب بالتأكيد، فاصبر». أمسكت بالمذكرة، ويا للعجب! لقد توقف البكاء بالفعل، كأن المذكرة رضيعٌ يحتاج إلى من يحمله ليهدأ.
سألت الصوت الغامض متعجباً:
صحت محتجاً:
رد عليَّ بنبرةٍ مماثلة:
أمسكت به بإحكام وقرّبته من وجهي وأنا أصرخ فيه بحنق:
كانت يداي ترتجفان واللعاب يتطاير من شدقيّ، لكنه ضحك وقال ببساطة:
سرت رعشة في جسدي، فخفّفت من ضغط أصابعي عليه، ثم همست بإرهاق:
تأنّى القلم هُنيهة، وكأنه يمنحني مساحةً للتأمل، ثم قال بصوتٍ خالٍ تماماً من السخرية التي اعتدتها منه، هادئ يحمل لمسةً من الحنو:
لم أكمل جملتي، فقد اخترق سهم كلماته صدري. أحقاً أنا من حول الكتابة إلى قيد؟ أأنا السبب في تلاشي ذلك الشعور الذي كان يوماً ما يرويني بالحياة؟
عاد الصوت يحادثني، لكن هذه المرة بدا كأنه يخرج من داخلي، من أعماق روحي.
أغمضت عينيّ. كان هناك شيءٌ داخلي يشتعل، لكنه لم يكن غضباً هذه المرة. كان... أملاً؟ لا، ربما رغبةً قديمة، رغبة في العودة إلى البداية، إلى حيث لم تكن الكتابة سوى كلماتٍ مبعثرة على ورقة، بلا خوف، بلا قيود.
همست بصوتٍ متردد:
قهقه بخفة، قبل أن يُجيب:
أومأت مرة، ثم ثانية بإصرار، وأنا أشعر برغبة مفاجئة تدفعني دفعاً إلى الكتابة؛ كالسيل الجارف لا أقدر على مجابهته. شعرتُ بالورقة الباردة تحت أصابعي، كأنها تفتح لي ذراعيها بهدوء. لم تكن المذكرة عدواً، ولم يكن القلم خصماً؛ بل كانا رفيقين ينتظران لحظة الصدق.
قلت لهما بتجرّد:
وبدأت أكتب، كلمات حقيقية تلك التي بدأت تتدفق من أعماقي، بسرعة جنونية لم أظنني قطّ قادراً على تحقيقها. داهمني شعور بأنني أعود إلى مكان مألوف؛ بيتٍ قديم كنت قد نسيته، لكنه ما زال يعرفني جيداً. ابتسمت للقلم، ثم للورقة التي امتلأت الآن، وسكن نشيجها تماماً. لم أتوقف بعدها، لم أنظر لما كتبت، ولم أراجع أو أنتقد حرفاً خطّته يداي، لأنني كنت غارقاً حتى أذنيّ في هذا السيل؛ ولم يحن أوان الجفاف بعد... يا الله، هل أخبرتكم يوماً كم أحب السباحة؟