غيثٌ يَابِس

رائد فوزان

اسم الكاتب/ ابتسام الحربي
تاريخ/

 

استيقظت ذات صباحٍ ضبابي، وحيداً في غرفتي الرمادية، على وقع ضحكاتٍ رنانة متواترة. ظننتُها خيوطاً من حلمٍ تائه تسللت إلى يقظتي، غير أن الضحكة عادت، مشوبةً هذه المرة بسخريةٍ لاذعة، أشبه بشفرة تمزق بقايا النعاس العالقة.

نهضت متثاقلاً عن فراشي الوثير، وأرهفت السمع علّني ألتقط طرفاً آخر من ذلك الصوت الغريب. لكن صمتاً مطبقاً أحاطني؛ فهمست لنفسي، وأنا أمسد جفنيّ المثقلين، أنني لا بدّ أهذي. كدت أُسلم جسدي للفراش مجدداً، طامعاً في غفوةٍ هانئة، حين باغتتني الضحكة مرة أخرى، مجلجلةً وواضحةً كضياء الشمس المنبعث من نافذتي، تلاها نشيجٌ حزينٌ يمزق نياط القلوب، فما كان مني إلا أن لمست وجنتيّ بأناملٍ مرتعشة، أتحقق أنني لست من يذرف تلك الدموع. لا، لست أنا… فمن أين تأتي هذه الأصوات إذاً؟

تعالت الضحكات، وخُيّل إليّ، في تلك المنطقة الفاصلة بين الحلم واليقظة، بين العقل والجنون، أنها تصدر من فوق مكتبي. وقفت مترنحاً، أُحدّق بذهول في مذكرتي البيضاء، تلك التي قضيت الليل كله أصارع صفحاتها الفارغة، أحاول بيأس أن أخط أي سطرٍ ذا معنى عليها، انتقلت عيناي بعد ذلك إلى القلم المُلقى بجوارها، كأنه جندي جريح بعد معركة خاسرة.

ثم، ودون سابق إنذار، صاح أحدهم:

  • «يا للبؤس، تعاسة! آه، أراك أفقت من سباتك أخيراً؟».

تراجعت مرتعداً إلى الخلف، مستنداً بيمناي إلى الطاولة الصغيرة بجانبي، محاولاً استعادة توازني إثر سماع هذا الصوت الذي لا أتعرّفه بوصفه صوتي. «حلم، أنا أحلم»، هذا ما قلته لنفسي وأنا أتقدم بخطواتٍ مترددة نحو مكتبي. جلست على المقعد، ورحت أتأمل الورقة البيضاء بقلبٍ مُفعّم بالقلق من احتمال أنني فقدت صوابي.

  • «من… من يحدثني؟».

أجابني الصوت بنبرةٍ هازئة، تكتنفها قسوة:

  • «هل غسل النوم عنك آثام البارحة؟».

رمشت في حيرة؛ هذا ليس صوتي بالتأكيد، ولا صوت أيٍّ من الشخصيات القصصية التي ابتكرتها في مخيلتي. أجبت متلعثماً، رغماً عني:

  • «ماذا تعني؟».

رد عليَّ بصرخةٍ حادة مُفزعة:

  • «اسأل سؤالك الحقيقي!».

وثبت من مقعدي كالملدوغ، تكاد عينيّ تخرجان من محجريهما، وجسدي كله يرتعش كورقة خريفية في مهبّ ريحٍ عاتية. رحت أدور حول نفسي في الغرفة الصغيرة، أُبسمل وأحوقل مراراً وتكراراً، يا الله! هل جننت حقاً؟.

توقفت فجأةً، وحدّقت في القلم والورقة الراقدين ببراءة على المكتب. أدركت أنني أبدو كالمخبول، ولو كانت هناك كاميرا خفيّة مُثبتة في مكانٍ ما، لمات من فرط الضحك أيّاً كان من يرقبني وأنا أقترب ثانيةً من المكتب، متخذاً وضعية من يتأهب لمصارعة ثعبان لا يدري أهو نائم أم يقظ.

خطوت خطوةً إلى الأمام، ثم تراجعت خطوتين، وبدأت أقفز حول المكتب بقفزاتٍ صغيرة متتالية، مستعيداً حركات المقاتلين في الأفلام القديمة. وعندما استجمعت شجاعتي أخيراً، مددت ذراعي وصفعت السطح بحركة عصبية مفاجئة، فسقط تمثال صغير كان يستقر عليه، وانسكب الماء القليل المتبقي في كوب زجاجي. أصابني ارتباكٍ تام حين لم يحدث شيء؛ فمددت يدي مرة أخرى وصفعت خدي بقوة، حتى رأيت نجوم النهار تتراقص أمام عينيّ. إن كان هذا حلماً، فلا شك أنني سأُفيق منه حالاً.

  • «هل فقدتَ صوابك؟».

كان هذا الصوت نفسه، لكنه بدا حائراً ومشوشاً. ورغم غرابة الموقف، لم أتمالك نفسي من ضحكٍ هستيري مشوبٍ بالذعر، حتى غمرت حرارة الدموع وجنتيّ. قلت بين ضحكاتٍ متقطعة:

  • «هذا ما أخشاه!».

لم يأتني أيّ رد لفترة تتراوح بين خمس وعشر دقائق، وقد أتاح لي هذا الهدوء فرصةً لتتوقف ضحكاتي أخيراً. لم يطرق أحد الباب ليسأل عمّا يجري، فأنا أعيش وحيداً في هذا المكان، وهناك صوت غامض يحدثني!

جلست على المقعد مسترخياً، ودرتُ به قليلاً إلى اليمين واليسار، والابتسامة لا تفارق وجهي. تأملت السقف المُصفر بفعل سنوات من التدخين، شهادة صامتة على عادةٍ قبيحة لم تنقطع يوماً، ثم قلت:

  • «حسناً، يبدو أنني على وشك دخول المصحة النفسية… لكن من يكترث؟ لنتسلى بهذا الجنون. أخبرني من تكون؟».

جاءني الجواب جافاً، خالياً من الفكاهة:

  • «أنت معتوه بالفعل، لكم أأسف على حالك».
  • «هل أفقدتك ضحكاتي حسّ المرح الذي كنت تعيشه منذ لحظات؟».
  • «كلا، لكنني ما عدت أدري ممَّ أضحك: أمن هذه الصفحة البيضاء البائسة، على غياب المعنى وضياع الفائدة، أم منك أنت؟».

استوقفتني كلماته فاعتمدت بمرفقيّ على حافة الطاولة وسألته:

  • «مهلاً، ماذا تقصد بغياب المعنى؟».

ضحك ضحكة خافتة مجيباً:

  • «الأمر أبسط مما تتصوّر. في عالمٍ خالٍ من الكلمات، يختفي الجسر الذي يربط بين العقل والروح وسائر البشر، وتذوي الأفكار التي تلامس القلوب، ومن ثمَّ يغيب المعنى؛ فأصبح أنا مجرّد أداة بلا فائدة».

صمت هُنيهةً أفكر فيما قيل، ثم تملّكني غضب لا أدري مصدره. أجبت بحدّة:

  • «ولكن أليست الكلمات كخزان مياه؟ قد يُحيله قيظ الصيف إلى بخار فيصير كما لو لم يُوجد، أو… أو أشرب منه أنا وغيري الكثير فينفد؟».
  • «ردك لا يدحض قولي، بل يؤكده. فكر معي: ماذا إن هطلت الأمطار فأعادت ملأه؟ الكلمات تتجدّد، إن أردت أنت ذلك، فما حجتك يا من سُمي غيث؟».

كدت أجيبه، لكن ذلك النشيج الذي رافق الضحكات في البداية عاد على حين غرّة. لم أُهلع هذه المرة، بل ساورني انزعاج طفيف، فقلت للصوت الغامض:

  • «من ذا الذي يجد وقتاً للبكاء في الصباح الباكر؟».
  • «خمّن من؟».

ارتفع النشيج حتى شعرت به يخترق أذنيّ، فصحت به:

  • «كفاك عبثاً وقل لصاحبه أن يخرس!».
  • «ليس في نطاق سلطتي فعل هذا، لكن يمكنني الاستعانة بيديك لتوقفه بنفسك».
  • «كيف؟».
  • «أمسك بالمذكرة قليلاً، وسترى».

تغضن جبيني بتجهُّم شديد، لكنني فعلت ما طُلب مني على مضض، وأنا أحدّث نفسي قائلاً: «ستنتهي هذه المسرحية الهزلية عمّا قريب بالتأكيد، فاصبر». أمسكت بالمذكرة، ويا للعجب! لقد توقف البكاء بالفعل، كأن المذكرة رضيعٌ يحتاج إلى من يحمله ليهدأ.

سألت الصوت الغامض متعجباً:

  • «ما معنى هذا؟».
  • «لا شيء سوى أنها أرهقها الجفاء وتحنُّ إلى الاهتمام. حمقاء، لم تدرك بعد أنك غير كفء لتكتب شيئاً ذا بال».

صحت محتجاً:

  • «كيف تجرؤ؟!».

رد عليَّ بنبرةٍ مماثلة:

  • «كيف أجرؤ؟ من الذي حملني برفق شديد ليلة البارحة، وقطعت عليَّ أصابعه وعوداً شتى بملء الصفحات الفارغة واحدةً تلو الأخرى؟ لقد ملأتني غبطة كبيرة، ثم ماذا فعلت بعد ذلك؟ ألقيت بي بعنفٍ أصابني بالألم!».
  • «أنت… أنت القلم؟».
  • «وأنت ذكي جداً كما يبدو. ربما يمكنك كتابة نص مؤثر تحكي فيه عن ذكائك الخارق للطبيعة!».

أمسكت به بإحكام وقرّبته من وجهي وأنا أصرخ فيه بحنق:

  • «ما أنت إلا أداة! لن تفهم قطّ ما أواجهه كل يوم وأنا جالس على هذا المقعد لساعاتٍ طوال حتى أفقد الشعور بعضلاتي. لن تعرف أبداً ما أحس به!».

كانت يداي ترتجفان واللعاب يتطاير من شدقيّ، لكنه ضحك وقال ببساطة:

  • «أداة لا تفهم؟ كلا، أنا أرفع شأناً من ذلك بكثير يا غيث؛ أنا رفيق كلماتك وأفكارك وأحلامك. إن قلبك يتعرى أمامي في اللحظة التي تحملني فيها، ويجعلني شاهداً دائماً على أحلك أسرارك. أنا باختصار مرآة روحك؛ فهل أنت مستعد لتسأل السؤال الحقيقي الآن؟».

سرت رعشة في جسدي، فخفّفت من ضغط أصابعي عليه، ثم همست بإرهاق: 

  • «إن كنت تفهمني... فساعدني. ما علتي؟ لقد حاولت شهوراً أن أكتب نصاً يدخل السرور على فؤادي، ولم أستطع. بدأت أشعر بانتفاء التقدير تجاه ما أصنع… أريد أن أعتزل الكتابة، لكنها جزء لا يتجزأ من كياني. إنها حياتي؛ فكيف عساي أعتزل الحياة؟».

تأنّى القلم هُنيهة، وكأنه يمنحني مساحةً للتأمل، ثم قال بصوتٍ خالٍ تماماً من السخرية التي اعتدتها منه، هادئ يحمل لمسةً من الحنو:

  • «أنا كالعصا السحرية، أُبدع سحر الكلمات، لكنني أحتاج إلى يدٍ واثقة تمسك بي وتوجهني. لن أصيب الهدف ما لم تكن صادقاً مع نفسك؛ اترك عنك المثالية، ودعك من كل النصائح. أنت تعرف ما تحب، وهذا يكفي».
  • «لو أن حبي للكتابة كافٍ حقاً لما وجدت نفسي في هذه المعضلة منذ البداية!».
  • «حبك ليس المشكلة، بل شعورك بالالتزام. لقد حوّلت شغفك إلى عبء، عمل تُجبر نفسك على الكدح من أجله ليلاً ونهاراً. هذا ليس حباً، إنه قيد صنعته بيديك».
  • «لست مقتنعاً بما تقول. لا بدّ من الكدح، هذه هي الحياة؛ أن تعمل بلا هوادة حتى تُصيب الكمال وتفلح في مسعاك».
  • «آه، الكمال! يا لها من كلمةٍ جوفاء تُردّدها الألسنة دون فهم. ما الكمال إلا لله -عز وجل- يا غيث، ولن يبلغه بشر مهما بذل من جهد. لن تحقق ما تصبو إليه أبداً ما دمت تفكر بهذه الطريقة».
  • «لكن…».

لم أكمل جملتي، فقد اخترق سهم كلماته صدري. أحقاً أنا من حول الكتابة إلى قيد؟ أأنا السبب في تلاشي ذلك الشعور الذي كان يوماً ما يرويني بالحياة؟

  • «غيث...».

عاد الصوت يحادثني، لكن هذه المرة بدا كأنه يخرج من داخلي، من أعماق روحي.

  • «الكتابة ليست لتُرضي أحداً، ولا حتى ذاتك. الكتابة هي الحياة كما قلت، بشغفها، وألمها، وعيوبها. اكتب... اكتب لأن الكلمات وحدها قادرة على أن تمنحك صوتاً مسموعاً وسط صخب العالم».

أغمضت عينيّ. كان هناك شيءٌ داخلي يشتعل، لكنه لم يكن غضباً هذه المرة. كان... أملاً؟ لا، ربما رغبةً قديمة، رغبة في العودة إلى البداية، إلى حيث لم تكن الكتابة سوى كلماتٍ مبعثرة على ورقة، بلا خوف، بلا قيود.

همست بصوتٍ متردد:

  • «وماذا لو كتبت؟».

قهقه بخفة، قبل أن يُجيب:

  • «من يدري، ربما لو كتبت... سترجع إليك روحك، ونستعيد أنا والمذكرة غايتنا».

أومأت مرة، ثم ثانية بإصرار، وأنا أشعر برغبة مفاجئة تدفعني دفعاً إلى الكتابة؛ كالسيل الجارف لا أقدر على مجابهته. شعرتُ بالورقة الباردة تحت أصابعي، كأنها تفتح لي ذراعيها بهدوء. لم تكن المذكرة عدواً، ولم يكن القلم خصماً؛ بل كانا رفيقين ينتظران لحظة الصدق.

قلت لهما بتجرّد:

  • «لن أكتب شيئاً عظيماً... لكن سأكتب».

وبدأت أكتب، كلمات حقيقية تلك التي بدأت تتدفق من أعماقي، بسرعة جنونية لم أظنني قطّ قادراً على تحقيقها. داهمني شعور بأنني أعود إلى مكان مألوف؛ بيتٍ قديم كنت قد نسيته، لكنه ما زال يعرفني جيداً. ابتسمت للقلم، ثم للورقة التي امتلأت الآن، وسكن نشيجها تماماً. لم أتوقف بعدها، لم أنظر لما كتبت، ولم أراجع أو أنتقد حرفاً خطّته يداي، لأنني كنت غارقاً حتى أذنيّ في هذا السيل؛ ولم يحن أوان الجفاف بعد... يا الله، هل أخبرتكم يوماً كم أحب السباحة؟



Copyright © Nuss 2023