كتبها: عبدالعزيز البلبيسي
هل الألوان تنصف الوجدان؟ إذ كانت من المفترض أن تنصفه، وهي تحتضن الأوراق المبعثرة على طاولته.
تلتهم ذكراه، وهي تعبث بلونها الأحمر في ظلّه الممتد بفعل الشمع المتقد في صندوقه الصغير الذي يسمى غرفة.
بينما يلامس الأسود رموشه فيطويها، ويمحو السمار البني تجاعيد جبهته إلى حين.
ثم يُلقي نظرة لصورة محبوسة بإطار خشبي، فيبتسم الأبيض المرسوم على أسنانه، ويغطي الرمادي بدخانه معالم وجهه التي اصفرّت بامتداد السنين.
إلا أنها بدت تضعف حدتها الليلة.. في البدء ظنّ أن عينيه بدأت بالذبول، إثر دموع لم تتوقف منذ رحيلها.
وكما أن كلماته على الورق لم تعد تقوى على الثبات في مكانها المُسطر، لم يعد الأزرق في حبره أزرقاً، بل صار يميل للا لون.
تمادت السويعات، ومعها تمادت الألوان بعصيانها، وبدأت دقات قلبه تنخفض رويداً رويداً.
لم يرضَ لنفسه الاستسلام، إن كانت دقات قلبه تسرع في الوقوف، سيخرج من الصندوق، وليرَ بأم عينيه ما قضية الألوان..
ارتدى معطفه الأسود، الذي لم يعد أسوداً، وخرج في ليل لم يعد ليلاً، ورغم صدمته بأن الألوان أعلنت عصيانها من كل شيء في الخارج، إلا أن قلبه استمر في الهبوط.
أسرع الخطى، كالمجنون، باحثاً عن أحدٍ ليسأله.. ما الذي يجري؟ أين الألوان؟
كان يطالع حتى قصاصات الورق المرمية على قارعة الطريق، تلك التي رموها أصحابها بعد أن أدت دورها في إنفاذ أمر سلطوي، أو حتى كممسحة لمشاعرٍ طُويت في عالم النسيان.. ويا للعجب، ليست مكتوبةً بلون أسود أو أخضر أو أزرق، كلها بلا لون.
كانت أنفاسه لا تتوقف عن الشهيق، كانت الألوان هي من تحبس أنفاسه فقط لا غير، وتضع سقفاً لرغباته، بلا أملٍ للشفاء.
لم يجد أحداً بعد، هل اختبئ الجميع من هلع الألوان الذي غزى الأرض؟
وعندها قرر مناداتها مباشرة..
أين أنتِ أيتها الألوان؟! ردد صداه المساحة المفتوحة أمامه، ماراً كموج على كل الأطياف الباهتة من الجمادات اللا متلونة.
أصبح قلبه هادئاً جداً على حافة جرف العدم، يرمق به شيئاً يواسيه، شعر بالغضب حينها، وزمجر..
هكذا إذن؟ تنسحبين بكل جبن فجأة؟ هنالك من أعرفها، تبدو مثلكِ تماماً، وتمتلكُ أطيافاً سبع أيضاً، ساعديها، علميها مثلاً.. كيف تقتل رجلاً؟!
عندها سمع خطوات تسير من ورائه ببطء، رجلٌ بعينين مبيضتين، وعصا يجرها أمامه، كمن يتحسس الخطى وسط القتامة التي خلفتها الألوان ورائها، كأنقاض وأطلال لمدينة لا تُرى إلا للكفيف.
- لو سمحت أيها الرجل الطيب، أين ذهبت الألوان؟
- ألوان؟ ألا ترى أنني كفيف؟ لا أرى سوى فضاءً شاسعاً أمامي، أسير به.
- سأُصاب بالجنون، لا أرى ألواناً.. أين الأبيض والأحمر والأزرق والأصفر والبنفسجي والأخضر؟!
كان الكفيف هادئاً كصخرة، تلتفها الظلال الباهتة، وتكتسيها أطياف لقيطة مجردة من أي لون.
- إذن أنت مثلي كفيف الآن؟ تذوقها.. اشربها.. المسها.. اسمعها.. إن لم تستطع أن تراها، حتى لا تُصاب بالجنون.
نظر إليه ساخراً، كمن سمع نكتة.
- أنتَ لم ترها أصلاً، وتنصحني بأن أعانقها بحواسي الأخرى؟ هل أنت كفيف وأبله؟
عندها مد الكفيف عصاه، كمن يمد يده للمصافحة، وقال له بنبرته الهادئة..
- فلنجلس قليلاً، سأخبرك قصتي، وبعدها يمكنك أن تذهب لتبحث عنها، أما أنا فقصتي مليئة بالألوان.
لم يعد في قلبه أي جهد لدقات إضافية، أحس بقرب توقفه، ولم يمانع أن تكون آخر مسامعه، قصة كفيف في عالمٍ بلا ألوان، وعندها استسلم إلى الأرض وجلس ناظراً للأعلى، لوجهه.
- تحدّث هيّا.. فضاؤك أمامك واسع، أما وقتي فقد شارف على الختام.
في قديم الزمان، لا أذكر الوقت إذ مر عليه عقود عديدة، كنت طفلاً أرى الجمال بالظلال التي ترسمها الألوان على جدران غرفتي.. كنت أسمع أبواي يتشاجران بحدة، وعندما أشعر بالخوف، أتقوقع على جداري الملون، وأرسم عليه بحراً أزرق، وورداً زهري، وقمراً مضيئاً أبيض، وشمساً صفراء، فوق بيتٍ هادئٍ بظلاله الفيروزية أمام سهول خضراء. وكنت أرسم نفسي مبتسماً، وأنا أرتدي ذلك اللباس البنفسجي، الذي لم يسمح لي أبي بلبسه، لأنه لون للفتيات فقط. كنت أحبه جداً، ممتنٌ له جداً، لأنه لم يوبخني عندما لونته على ردائي الصغير في الجدار. حتى بقية الألوان لم توبخني عندما أوجدتها من العدم، لتواسيني، وتؤنسني، وتخفف عني خوفي من أبي.
حتى الأحمر، الذي كنت أراه عندما أشعر بالألم، من دمي المتساقط بعد أن ألهو على سريري قافزاً، عندما تأمرني أمي بالذهاب إليه، وفي عينيها دمع شفاف بلا لون، لم يمانع هو الآخر أن أرسمه غاضباً كبركان ثائر يخرج من صدري على الجدار.
والأصفر، الذي كان يتلون به وجهي، عندما ألعب مع طفلة جارتنا، وأنا أحب ألا تذهب من أمامي، وألا تتركني وحيداً، ابتسامتها لي وأنا طفل صغير، وشعرها الكستنائي الناعم المتناثر على فجوات أسنانها اللبنية التي سقطت من مكانها، كان يجعله فائراً على وجهي، ومع ذلك لم يمانع أن أرسمه غيوراً عليها من طفل آخر يلعب معها الآن في الخارج، لأن أبي منعني من اللعب.
والأزرق، الذي كنت أراه في عروقي الصغيرة، كان يشتد وهجاً عندما يلطمني أبي على وجهي، لأنني عدت متسخاً من المدرسة، مثل زمرد مضيء في كهف تحت مغارة من جلدي، كان سعيداً أن أرسمه في منارةٍ تطل على البيت من بعيد، ليرشد السناجب في السهل الأخضر للسكينة والهدوء.
كنت أراها مختلطة على الجدار أمامي، كلوحةٍ كبيرة، تبتسم لي بعينين لوزيتين، وتقول لي اطمئن، لن تشعر بالألم من صفعات أبيك، ستختبئ لدينا، فأنت صديقنا الصغير، ولا تبكِ، ستُشفى إن أبقيت سرنا الصغير معك.
قاطعه بصعوبة، إذ لم يبقَ في نفسه نفس ليتكلم.
- وما هو السر الصغير؟ للألوان سر؟
ابتسم الكفيف بخفة، وأومأ بعصاه لمنتصف صدره، ثم وكز قلبه قليلاً.
- نعم.. هنا سرها.. في قلبك أنت.
- قلبي؟ نظر إليه ساخراً.. قلبي على وشك الوقوف يا أستاذ.. قلبي انكسر، وغدرت به الألوان. أكمل رجاءً، سأسمع ما تبقى وأرحل.
وعدتها بأن أحافظ على السر، وألا أفشيه أبداً، كنت طفلاً واثقاً من كلمتي، ووضعت أصابعي الصغيرة على الجدار، ومسحت قليلا منها، ووضعته على وجهي، كنت مشعاً بها، جبهتي.. فمي.. أنفي الصغير.. جفوني.. وخدودي المكتنزة، كانت تحميني وتشعرني بالسعادة والضحك، وكان قلبي يرف مبتهجاً بها.
- وها هي الألوان غدرت بك، وجعلتك كفيفاً، مثلما غدرت بي.. أليس كذلك؟
لا.. في يوم من الأيام، عدتُ للمنزل، وكان أبي على غير العادة موجوداً، وكان يلهث بشكل متسارع، وعينيه تستشرّ بلون برتقالي. لم أجد أمي، وكان المكان صامتاً، وعندها نظر لي، فركضت خوفاً، ودخلت غرفة أمي، فوجدتها نائمة على الأرض، يملأُ وجهها الأزرق، والأسود، وجسدها غارقٌ بالأحمر..
تحدثت مع الألوان على جسد أمي، لماذا جعلتموها نائمة؟ هل اختبأت أمي لديكم أيضاً؟ هل منحتموها سركم كذلك مثلي؟ إلا أنها لم ترد علي، لم تكن كألوان جدار غرفتي، كانت صامتة، ولها رائحة بشعة.
مشيت خائفاً بأطرافي الباردة إلى غرفتي، والتصقت بجداري، ودمعي بات يُقبّل ألواني، وصرت أصرخ.. أمي لديكم؟
إلا أن ظل أبي الأسود كان قد امتد على الجدار، ليمحو كل الألوان بخطوة واحدة، كبئر ابتلع كل شيء في لقمة واحدة.
وأمسك بشعري الذهبي من الخلف، وشدّه للوراء، كان لعابه يسيل على جبهتي، وأنفاسه تصطك بأنفي، ثم قال لي بعينين حمراوين.. مع من تتحدث؟ مع الجدار؟ بدأ قلبي بالاشتعال، ورحت أتلعثم، ا.. الأ.. ل.. وا.. ن.
ضحك ضحكةً صفراء بصوتٍ مرتفع، قبل أن يمسك ذقني الصغير بيديه الخشنة، ويقول لي.. ما اسم هذا اللون؟ وهذا؟ أتعلم أن هذه الألوان شريرة؟ ألم ترها على جسد أمك قبل قليل؟
وعندها صرخت بصوتي الصغير أو ما تبقى منه رغم خوفي، وقلت له لا! الألوان وعدتني أنها طيبة وستحميني..! وقتها زمجر أبي كشيطان، وقال لي سأعدك ألا تراها مجدداً!
صمت قليلاً بعد أن سمع كلام الكفيف، كأنه يتأهب لما هو قادم..
- نعم.. الكره والغضب سحبا مني الألوان جميعها، أعلمت لماذا ذهبت الألوان؟ والآن سأسألك سؤالاً واحداً فقط أيها الشاب.. هل تحبها؟
تلعثم فجأة ثم قال..
- أنا؟! لا لا!
بدأ وعيه يغيب، وهو يقول لا لا!
- أعاد عليه الكفيف ذات السؤال.. هل تحبها؟
بدمعهِ المنسدل من طرف عينه، تحرك لسانه بصعوبة لا تكاد تُسمع..
- نعم.. نعم أحبها.
وعندها خفق قلبه بشدة، وصار يرتطم في قفص صدره بعنف، وبُثّت الألوان في المكان فجأةً ثم اختفت بعد ثوانٍ معدودة.
نظر إليه الكفيف وهو ينتفض، وربّت يده على شعره بهدوء.. تحدّث مرةً أخرى يا شاب..
- أحبها..! أحبها..! عندما قالت لي مرحباً وقعتُ في حب اللغة والغيم، وبابتسامتها وقعتُ في حب المطر!
وعندها أمطرت السماء، على جسده الملقى، وغسلت عينيه، وتثاقلت رموشه من قطراته، فنظر للأعلى مجدداً فوجدها غيمةً سوداء، لم يصدق في بادئ الأمر، أعادت الألوان بالحب؟
ثم نظر أمامه فلم يجد الكفيف، بل وجد عصاه مرميةً على الطريق بلونها البني الغامق القديم، ولون العشب الأخضر بجانبه، وحينها علِم السر في خفقة القلب، عندما يطير الحمام ثانيةً، لن يدعه يسلب منه قلبه المتسع بالحب.