كاتب قصصي وشاعر سوداني، حائز على جائزة الطيب صالح للقصص القصيرة، ومنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون. تتميز أعماله بالعمق والإبداع، وقد نشرت له العديد من المجلات والصحف العربية، يسعى دائماً لتطوير صوته الأدبي الفريد من خلال المشاركة في الفعاليات الثقافية والمنصات الإلكترونية. شغوف بالعالم العربي وثقافته، يترجم هذا الشغف إلى قصص قصيرة تحمل بصمته الخاصة، يتمتع بخبرة واسعة في مجال النشر، وقد ساهم في إثراء الساحة الثقافية العربية بكتاباته المنشورة مما يعكس مكانته المتميزة في عالم القصة القصيرة.
مأخوذٌ برغبته في التعبير عن هواجس التآكل، والفقدان واليأس، ولأحلامه المستمرة باقتحام المدن الرائعة؛ يكتب أيمن هاشم انتصاراً لنفسه، وانتصاراً لفعل الكتابة بذاتها، وتماهياً مع الصوت الداخلي الذي يستمر ويستمر في التحدث بصوتٍ عالٍ.
في هذه المقابلة يتحدث أيمن هاشم، أحد أبرز الكتاب السودانيين، عن بداياته في صنعة الكتابة، وعن ارتباط الحكي بالمكون الثقافي السوداني، بالإضافة للعديد من التساؤلات التي تمر في ذهن كل من القارئ والكاتب الشاب.
لا أعرف بالضبط متى بدأت الكتابة، لكنني أذكر متى بدأتُ القراءة، ولو كانت ذكريات طفولتي مليئة بالفجوات الزمنية المعتمة التي لا أتذكر منها شيء، وذكرياتٌ أخرى متوهجة قد تجعلني أتوهم بأنني عشت أحداثاً لا تخصني، لكنني عشت وفي بيتنا مكتبة للاستعارة، أحلم بالدكان الذي به الكتب حتى الآن ولكن على نحو مخيف؛ فأولى قراءاتي كانت لكتب ميثولوجيا دينية، مثل بدائع الزهور في وقائع الدهور، الذي يعج بوصف للعوالم السحرية والغرائبية للجن ومخلوقات السموات والأرض، وروايات بوليسية، وكتب إحسان عبدالقدوس التي كنت أقرأها دون أن أفهمها، واللغويات مثل أشعار المتنبي وابن زيدون - الأمر الذي جعلني من محبي التراث العربي وألف ليلة وليلة.
لكن أعتقد أنني صرت كاتباً منذ أن تخليت عن الرسم قبل سنوات، قدمت الرسم كقربان لمزاجي، ضحيت بأشياء كثيرة وأوقات طويلة للغاية، أوقاتٌ كان كل ما أسمعه خلالها هو الصوت الداخلي، والذي أخاف طوال الوقت من فقدانه، لمرات كثيرة أطرح على نفسي هذا السؤال المخيف: ماذا سأصير إذا تركت الكتابة؟
ولذلك أتبع الحالات التي تشبه شيفرة موريس، وتفسيرها الوحيد هو:
هيا التقط الفكرة!
بالنسبة لي، الكتابة هي حالة تتغير وتتشكل باستمرار، فأحياناً تصبح امتناناً لحكاية قديمة حكتها أمي، انتصار لأسطورة متوارثة شفاهةً، التقاط للحظةٍ ما، استدعاء لأشباح من الماضي واستبصار لغوي فج، لكنني لا أمتلك دافعاً معيناً للكتابة، أنا أكتب للتعبير عن العوالم المحكية المحلية والأساطير، للأحاجي القديمة التي كانت أمي تحكيها لي، لمقاومة الاندثار، للتعبير عن الهواجس البسيطة مثل التآكل والفقدان واليأس، للحلم بمدن رائعة، لأجل الكتابة في ذاتها، أنا من أنصار الكتابة لأجل الكتابة، لأنني أشعر بأن هنالك في داخلي صوت آخر يريد أن يُسمع.
لا يمكنني التحدث عن الكتابة بدون الإشارة للسودان، لأننا شعبٌ حكاءٌ بطبعنا، تتغلغل الأساطير في أكمة ملابسنا مثل التراب، مؤمنون بزوالنا؛ لذلك يسمي الواحد منا نفسه بالزول وهو من الزوال، ولذلك ننقل جميع محكياتنا هذه شفاهةً، كما تُرضع المرأة طفلها الحليب، فإنها تقوم بإرضاعه الحكايات والدهشة، نتناقل العجائبية في اليومي العادي، فلا تكاد تميز بين العادي والأسطورة.
نسير على حواف التاريخ، محملين بالقصص، يهتز الخيط الرفيع الذي يفصل بين الواقع والخيال فتكاد تصدق مما يحكى لك، خيالنا جامح، قصصنا عن مدن داخل النيل، فتيات يخرجن من النهر، موتى يعودون ليأخذوا أغراضهم، هذا السحر الجاذب يجعلني متأكداً من الموجة الثانية للواقعية السحرية ستكون من أرض النيل والصحراء.
أما عن دوافع الكتابة التي تحدث عنها جورج أورويل، مثل الدافع التاريخي، أعتقد أن البعض يؤمن بالخلود، وهو أمر متعب، كافكا مثلاً أمر بحرق أعماله، لا يريد تحمل التأبيد في النص، ولحظه فقد أسرع وتركها خلفه، رغبته هذه تماثل ثيمة أعماله، أشخاص سئموا من البيروقراطية، أنا أرغب فقط في فعل ذلك الشيء، وهذا ما أحبه دون النظر للدوافع الأخرى التي تدفع الكُتاب.
جربتُ العديد من القوالب الكتابية، بدءاً من القصة الومضة القصيرة جداً، والقصة القصيرة والنصوص النثرية، حتى وجدت اليابسة أخيراً في القصة القصيرة، إذ بدأتُ مرحلة ذروة الكتابة مع الاكتشافات المهمة بالنسبة لي من أمثال: فرانز كافكا، وخورخي لويس بورخيس، وماركيز، وغاليانو. والطيب صالح، وعبد الرحمن منيف، ونجيب محفوظ، وكويتزي وويليام فوكنر.
بدأتُ رحلة الدهشة مع روايات مثل المسخ والمحاكمة ثم انتقلت لمحفل الهواجس هو بارتيك سوزكيند، ثم انتقلت للأدب الواقعي الاشتراكي، وأجد أن أعظم الحقول التي تعلف منها خيولي هي الواقعية السحرية، لذلك أجد من اللذة الإشارة إلى أب الواقعية السحرية خوان رولفو المكسيكي، لذلك بقيت أدور في أفلاكهم إلى الآن، وهو الأمر الذي قادني لكتابة المجموعة القصصية "أشباح كافكا" التي كتبتها في فترة متزامنة مع ثورة ديسمبر 2018 وتناولت المجموعة مواضيع تاريخية بمعالجات سحرية، وأحداث تزامنت مع الثورة المجيدة، سبقتها مجموعة بعنوان ماضغوا الرصاص وهي بداية المشروع ولم تطبع حتى الآن، غير أن أشباح كافكا تمثل امتداد لها.
أما فيما يخص عملية الكتابة نفسها؛ فليس لدي عادات بعينها، فقط عندما أحس بالحكة البسيطة في دماغي وعندما يعلو الصوت الداخلي، ألتقط الشرارة التي يخيفني فقدناها كمذكرات أو شذرات، لذا لم أعرف نفسي كاتب مزاجي أم روتيني، لكنني في حالة حديث دائم مع المتحدث الداخلي، ولأصفه بدقة هو سيل الكلمات التي تصف ما ألتقطه، لذلك نحن في حالة ديمومة، التقاط وتفريغ، وبعدما أكتب القصص وأرجع لأقرأها أفقد الصلة بها؛ فأحس بأنها نصوص كتبها أشخاص أخرين، بالرغم من الولادات العسيرة لبعض النصوص، غير أن أكثر ما يزعجني هو محاولة نسبتي للأحداث التي في النصوص، أنا أسرع من يقتل نفسه بعد الكتابة، فلا تعود تربطني بالنصوص صلة، وأكثر من ينتحل حيوات الأخرين، فأعيش في النصوص حيوات لا تخصني، ربما بسبب تداخل المجالات بين الأنا والمتحدث الداخلي.
الكتابة كفعل إبداعي تبدأ مع الشرارة الأولى، الومضة، الرغبة الخفية في الحكي، الهمس البسيط الذي كان يدور في الكهوف بين البشر القدامى، النميمة، الحكي، ومن ثم تعقد الأمر وكما يتعلم الرسامين أساسيات الرسم والتلوين واستخدام الفرشاة، وكما يتعلم المسرحيون كيفية الوقوف أمام الناس والتحرك، وكما يتعلم الموسيقيين النوت الموسيقية، أعتقد أنه ثمة تقنيات وأساسيات وأساليب للكتابة، بل يمتد الأمر ليشمل حتى التسويق والبيع، ولذلك يجب المرور عبر قواعد وتكنيكات وأساسيات؛ لذلك لا أؤمن بحبسة الكتابة تماماً، هل يوجد سائق شاحنة استيقظ صباحاً، وأخذ يقول: لقد استيقظت بسبب حبسة تمنعني من القيادة؟ في نظري الأمر كله يعتمد على عامل المزاج وأعتقد أنه يجب علينا تضييق الخناق على هذه الكلمة وما تحمله من معانٍ مختلفة.
على الشخص أن يكتب، يفعل ما يعرفه، الخلود هو مهمة الزمن لتسويق أعمالك، وللأسف لا أحد فك هذه الشيفرة للزمن، على الصعيد الشخصي، أنا أحاول المسير في مشروعي الحالي وهو الكتابة عن السودان السحري، لا لأجل الوصول لغاية معينة، فقط كما قلت، من أجل لذة فعل الكتابة.
بالحديث عن السودان، يرى البعض أن الحروب تثبط الإبداع، وآخرون يعتقدون أنها شرارة توقد الإنتاج الأدبي، على سبيل المثال برزت التشيلية إيزابيل الليندي في أزمنة صعبة على بلادها، حالها كحال الأفغاني خالد حسيني، لكنني أعتقد أن مربط الفرس يكمن في الواقع الحالي، إذ أن كل عمل يرتهن للحظته يفقد القدرة على الاستمرار، الحرب مثلاً وعدم استقرار الوطن، يؤثران على الكتاب، لكنني أتنبأ بجيلٍ جديد ربما له القدرة على المسير في حقول الكتابة.
في النهاية، إلى الكتاب الشباب الذي يسلكون هذه الدروب، لا نصيحة أقولها لكم؛ لكنها التجربة.