خرز يصنع المعنى: سوسيولوجيا السبحة

LAFT

اسم الكاتب/ نورة حسن
تاريخ/

لا تُستعاد هذه العبارة بوصفها حنيناً شخصياً فقط، بل بوصفها مفتاحاً لقراءة علاقة الفرد بأدوات يومية تتجاوز وظيفتها الأولى إلى وظيفةٍ رمزية. فالهوايات من جمع الطوابع وركوب الخيل والقراءة إلى اقتناء المسابح تعمل على تشكيل الذائقة والهوية معاً.
تُعرف السبحة بأنها مجموعة حبيباتٍ خرزيةٍ يفصل بينها عقدٌ أو فواصل، تُنظَم في خيطٍ أو سلكٍ أو سلسلة بعددٍ مقصود، ارتبطت تاريخياً بالدين والذكر علامةً على التقوى، ثم جرى توسيع دلالتها كما تُورد الروايات القديمة كتعويذة وتميمة للحماية من الحسد، وتحولت لاحقاً إلى عنصر زينة ملازم للمظهر. 

بعض الثقافات القديمة ربطتها بالقداسة إلى حدّ غسلها بالماء وشربه بنيّة الشفاء، وتشير مكتشفاتٌ فينيقية إلى حضورها في المقايضة في حالاتٍ معينة؛ ما يؤكد تنوّع وظائفها بتنوّع الثقافة والسياق.

 

الامتداد الديني والعابر للأديان
مع نشأة الأديان السماوية ظلّت السبحة أداة للعبادة والذكر، استعملها اليهود والمسيحيون، وخاصةً الرهبان في صلواتهم، وحضرت لدى المسلمين بوصفها وسيلةً لتنظيم الذكر. ولم يقتصر حضورها على ذلك؛ إذ انتشرت أيضاً بين الهندوس والبوذيين ضمن ممارساتهم التعبدية.

 

عدد الحبّات ودلالتها الاجتماعية
تختلف الأعداد باختلاف التقاليد، عند المسلمين 33 حبّة (وفق الوصية المأثورة) أو 99 حبّة بعدد الأسماء الحسنى، ولدى الصوفية 100 حبّة. وفي رواياتٍ متداولة مسيحياً يتراوح العدد بين 45 و66، بينما تُذكر أعدادٌ بين 17 و21 عند اليهود. الأرقام هنا ليست تفصيلاً ثانوياً؛ إنها تُشير إلى إيقاعٍ تعبديّ ينظم الوقت والانتباه والنية.

 

السبحة والشعر
يتجاوز حضور السبحة الوظيفة التعبدية إلى وظيفةٍ أدائية في المجال الثقافي؛ إذ تُرى في مجالس الشعر بوصفها أداةً تُعين على التركيز واستحضار المعاني، ويكتب عبدالعزيز الصعب في هذا الشأن عن الصلة التي تنشئها السبحة بين الشاعر ونصّه. ويفسر تقليب الشاعر للحبات أنها تعبير عن تفكير عميق يخوضه الشاعر،  وفي فنّ المحاورة تُصبح حركات اليد بالسبحة «لغة جسد» قابلة للقراءة؛ فتحريكها سريعاً من الوسط قد يعكس نية الانسحاب أو تغيير المعنى، أما لفّها على الإصبع قد يدلّ على مكيدةٍ شعريةٍ تتشكّل أو على تردّدٍ وحيرة يعيشها الشاعر.

 

رأسمال رمزي

لا تبوح السبحة بسعرها، بل تشير إلى قيمتها عبر مادتها، وإتقان صناعتها، من الكهرمان القيّم وحتى بذور النوى العملية، بوصفها ترميزًا لذائقة مقتنيها يدركه العارفون في المجالس والهدايا، وتُسهم مجموعة من الدلالات الحسيّة في تشكيل هذه القيمة أمام الآخرين.

 

ختاماً
تُظهر سيرة السبحة تحوّلها من وسيطٍ للذكر إلى علامةٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ تتنوّع دلالاتها من طقسٍ ديني، أو تعويذة شعبية، أو زينة وهوية، وأداة ضبطٍ ذهنيّ في عملية الإبداع، لكن ما يبقى ثابتاً هو قدرتها على تنظيم الانتباه وصناعة المعنى بين الإصبع والقلب وفق ما تُمليه الثقافة واللحظة معاً.

 



Copyright © Nuss 2023