انسياب الحنين بين طيات الذاكرة

Aftersun

اسم الكاتب/ عبدالعزيز البلبيسي
تاريخ/

تندر الأفلام التي تضعنا على مفترق من التساؤلات التي لطالما تشغل الضمير والروح، خاصةً تلك التي نبحث فيها عن معنى خفي يلمع في أفق زمن مضى، ضمن فصول حياتنا التي مضت، مُحملةً ببداياتٍ لم تنتهِ، ونهاياتٍ لم نعد نذكر بداياتها، ليبرز لنا سؤال نخفيه كثيراً في طيات الزمن.. ويجعلنا نتساءل: ما الذي يبقى حقاً عندما يغادر من نحب؟

وهل كنا يوماً إلا ذاكرة تستشعر بثقل النسيان، لتقول شيئاً لم ننطق به يوماً؟ حين يصبح للصمت لغة، ولأطياف الضوء الآتي من أبعد نقطة في الظلام، لمعانٌ أعمق.

تلك هي حكاية فيلم Aftersun، التي تهمس بحقيقةِ فتاةٍ لم يتبقَ لها من ذكرياتها مع والدها سوى فتات من ذاكرة تضجّ بالحنين، والرغبة باحتضان سعادةٍ عابرة، كانت يوماً بصيص أمل، وصارت جروحاً لا تُرى في طيات الروح.

يضعنا الفيلم بحالةٍ من التأمل العاطفي، حيث كل صورة لوحة من خيال، وكل حركة موسيقية شجنٌ يئنّ بحبٍ غير مشروط لأبٍ أراد أن يمنح ابنته ولو قليلاً مما يستطيع، وهل مصير هذا الحب غير المشروط في عالمٍ متخمٍ بالشروط، والتخلّي، إلا أن ينتهي بشكلٍ فجّ بطبيعة الحال؟ 

ولذكرى دقّت في عالم النسيان بينهما، نرى خطى شاعريةً بعدسات كاميرتها، وهي تستغيث بتلك الآلة، لتخُلّد لها رحلتها الأولى والأخيرة معه، حيث لا أحد يُفرّق بينهما، ولا تعاسةٌ تُعكّر صفوهما، في رحلة سفر صيفية قصيرة، بين أب وطفلته، تماهت فيها المسافات بين الماضي والحاضر، وبين ما نفهمه، وما لن نفهمه سوى بعد فوات الأوان، بتسلسل سينمائي حميمي، يواكب الشعور، ويبين العواطف المتقدة، بحبكةٍ درامية ساكنة لا تلبث إلا أن تنتهي، كما هي الحياة.     

في النهاية، الفيلم ليس فقط عن الأب أو الابنة، بل عنّا جميعاً، عن تلك المساحات الفارغة التي نملؤها بالأحلام التي لم تتحقق، واللحظات التي نتمنى لو استطعنا أن نعيشها مرة أخرى. إنه عمل يعيد تعريف أسمى معاني الحب اللامشروط في السينما، ويجعلنا نعيد التساؤل مرةً أخرى: ما الذي يبقى حقاً عندما يغادر من نحب؟

 



Copyright © Nuss 2023