محاكمة المطر

رائد فوزان

اسم الكاتب/ عبدالعزيز البلبيسي
تاريخ/

 

في يومٍ من الأيام كانت هناك قريةٌ صغيرة على أطراف نائية، تدور حول الغيوم، حيث المطر رفيقها الدائم، والأنفس قد سئمت من المطر.  يخرج الأطفال تحت غزارته، يلعبون ويضحكون قليلاً، حتى تأتي أمهاتهم لتوبخهم وتعيدهم إلى بيوت الطين المهترئة من زخاته القوية.

يخيف صوته الراعد المواشي، فتبقى طوال الليل تعول وتصهل، فلا يستطيع أهل القرية النوم، ويختلط العلف بالمياه، فيفسد ويصبح غير صالح للاستهلاك، ثم تأتي أشعة الشمس عند الشروق، فتأسن المياه الراكدة، وتجمع البعوض والحشرات التي لم تدع جلداً من جلودهم إلا بقرصة أو لدغة.

وذات مساء، اجتمع رجال القرية ونسائها أمام قبور أسلاف قريتهم، التي عبث بها المطر حتى سواها طيناً أسود، دون أدنى تقدير لحرمة مثواهم الأخير، ومساكنهم الهادئة في العالم الآخر، وفي لحظة عمّ فيها السكون المكان، شقّ صوت أحدهم أخيراً ذلك الهدوء.

"لن نسكت بعد الآن، المطر آذانا جميعاً، ووصل به الأمر لانتهاك طمأنينة أسلافنا الراقدين تحت التراب".

ردت عليه إحدى النساء، بتعجب ملؤه اليأس والتعب:

"وكيف نواجهه؟ وهو لا رحمة فيه ولا شفقة، تلك الليلة مرض ابني الصغير بعد أن أصابه البلل، وسهرت أداويه، ثم لمحت حبات المطر المندفعة خارجاً، فنظرت إليها نازلة من السماء، وقلت لها أرجوكِ ابني قد مرض، وردائي اتسخ، وبت أصرخ وأصرخ دون جدوى، حتى اختلطت دموعي به".

رد عليها آخر:

"لن يجدي معه النحيب أو الاستجداء، كنت يوماً أسير في السهول وحدي، فوجدت صخرة قد سقطت من أعالي الجبل على غزالة صغيرة كانت ترعى في البراري وتأكل الحشائش، تئن من ألمها، وعينيها الكحيلتين تقطر دماً، واندفعت نحو الجبل، وصرخت بأعلى صوتي، وتركت الصدى يحمل غضبي لقمته، كيف تجرؤ على غزالة صغيرة؟ بل كيف رضيت أن تقارعها بطولك وعظمتك وهي تأكل حشاشة، وتلعق مياه قد رضت بها؟ وحينها لم يجبني، إذ كان يتصدع مزمجراً، فقررت مواجهته وتحديه، وعدت للصخرة، وصرت أضربها من كل ناحية لعلها تتفتت، وأكسر عليها نصالي ورمحي، ثم نظرت لي الغزالة بهدوء، كأنها أومأت لي أن أمضي وأذهب، وأدعها لمصيرها. لا أدري كيف أصغيت لها، ومضيت وحيداً، وبقي طعم مرارة في فمي، يدفعه ضميري من صدري ليؤنبني، في كل يوم وليلة. لا لن أعيد فعلتي مرة أخرى، ولن أخذل أسلافي كما خذلت الريم، فأن أموت متأهباً أفضل من موتي مختنقاً بمرارة مسمومة تسري في عروقي".

وعندها تحدث أحد الشيوخ.

"رمي السهام نحوه لن يجدِ، فهو بعيد يرقبنا، وقريب يلحظنا، سيرمينا بوابله، ويجرف بيوتنا ومواشينا ببرقه".

تعالت الأصوات، وهمهمت النساء بهمسها، وبدت على وجوههم معالم الحيرة، وذبلت جفونهم المثقلة من النعاس، حتى صارت حجراً أملس يحرمهم الرؤية، إلا أن أسلافهم كانوا يسمعونهم من الأسفل، يشاركونهم الأسى، ويواسونهم بستارة من صمتٍ ممتد.

"فلنحاكم المطر".

نظروا إليه بالكاد، واستمعوا لصوته الخفيض، إذ كان في صوته بحة، وفي وجهه ندبة غائرة قديمة تنزل من جفنه كوادٍ وعر حتى أسفل ذقنه.

"كنت أبيع وأشتري في إحدى أسواق القرى المجاورة، لم يكن لدي سوى سكين أسنها لأذبح بها بهائم أتوا بها المارة بعد أن عرفوا خفة يدي، إذ لم يعلم أحد بأن السر في هذه السكين التي ورثتها عن أسلافي، كانوا قد ذهبوا بها شرقاً وغرباً، وقال لي أبي أنهم وجدوها في بئر سحيقة، كانت قد رُدمت منذ مئات السنين، وجدي الذي لاعبني في مهد طفولتي، أخبرني بأنها مصنوعة من زجاج الملكة بلقيس، وكانت بها تطعن أعدائها بضربة واحدة، فتهتز لها العروش، وتميل لها الوفود، إلا أنها كانت تحتفظ بها في مكانٍ سري لا يعلم به مخلوق، وفي أحد الأيام عزمت أن أرحل بعد أن كسبت قوتاً يكفيني، ومؤونة تقيني شر الظمأ والجوع، فإذ بامرأة ذات خمار أزرق، عيناها من الحسن الذي يُتيم الفؤاد، ويثير الوجدان، يقود خادمها ماعزاً صغيراً، فتمهلت بالخطى، حتى نظرت إلي، وأمرتني أن أذبح الماعز بمقابل أن أنظر إلى وجهها وراء الخمار، ترددت واضطربت كثيراً، إلا أن وفائي لسكين أسلافي كان أشد عندي من لذة أسترقها في النظر، أو صوتها الذي يلين الحجر، فوضعته في جيبي وقلت لها لا! ثم أدرت لها ظهري، ولم أسمع حينها إلا صرختها في المارة بعد أن شقت خمارها، وألقته أرضاً حتى امتزجت زرقته بالتراب، بأني شقتته. حينها اندفعوا نحوي كسربٍ من الجراد، وأخرجوا سكيني، وشقوا به وجهي حتى تهلل الدم مع دمعي، وبقيت مستلقياً، وعندما فتحت عيني قليلاً وجدت وجهها الحسن بمقربتي، وفي يدها السكين، تحركت شفتاها ببطء، وقالت لا تلمني بل حاكِم سكينك، ثم أخذته وذهبت، وعشت ليال لوحدي أندب سكيني، حتى أتاني في منامي رسول غاضب وقال لي، بل الحُسن حاكِم! وها أنا هنا أقول لكم حاكموا المطر، فهو كالحُسن يغيث القلوب، وكالحب يضرب في مقتل على حين غرة.

وعندها اتفقوا جميعاً على محاكمته، وصرخ أحدهم.

"من الشهود؟"

رفعوا أيديهم جميعاً، حتى بانت قلائد الذهب من على معاصم النساء، وسلاسل الفضة من معاصم الرجال.

"من المتهم؟"

بصوت واحد زمجروا، وبنظرة للأعلى شخصت أعينهم، حتى اتسعت حدقاتهم، وعبست شفاههم، وقطبت حواجبهم.

"المطر"!

"ما الحكم؟"

نظروا إليه بصمت، كمن يودع صديقاً قديماً بأسى.

"ألا يأتي أبداً بعد الآن"!

وعندها اشتدت الريح، وتراكمت الغيوم السوداء، حتى تلونت السماء بلون قاتم حجب أشعة الشمس، وكأنها تبكي.

وكان بكاؤها عارماً، تقذف بدموعها على الأرض بسرعة، وفي كل اتجاه، حتى بدت لهم بيوتهم الطينية كأوراق خريفية جرداء، تتناثر في مهب الريح.

هربت النساء بأطفالها، وسقط الشيوخ على تراب أسلافهم، بينما نظر الرجال إلى السماء لعل بكاءها هو الوداع الأخير، إلا أن ماءها بدا يغمرهم.

وحينها نظروا للأعلى للمرة الأخيرة، كان المطر يرفعهم إلى السماء رويداً رويداً، وبدا لهم أن بكاءه ما كان إلا اشتياقه لهم، ليرحلوا سوياً.



Copyright © Nuss 2023