"وكفت سمارة عن البكاء فاغرة فاها، وحلّ صمت كالموت"
في روايات نجيب محفوظ ليست كل أوصاف الصمت تحمل مثل هذا الوصف المفجع، والذي نقرأه في رواية ثرثرة فوق النيل "وحل صمت كالموت"، بل هي أوصاف متعددة ومغايرة، وكل وصف يتناغم ويتلاءم مع طبيعة المشهد الذي تحضر فيه هذه المفردة المفضلة بالنسبة لنجيب محفوظ، والتي ينحاز كثيراً إلى استخدامها في رواياته.
إن وصف الصمت عند نجيب محفوظ قد يأخذ عمقاً سردياً حتى يصبح جزءاً من وصف الشخصية الروائية، ففي رواية "ميرامار" وعندما كان يصف «طلبة بك مرزوق» عبر عن شخصيته بأن ينمّ عنها صمته المتكبر "يميل إلى القصر والبدانة، منتفخ الشدقين واللغد، وله عينان زرقاوان رغم سمرة بشرته، ذو طابع أرستقراطي لا تُخطئه العين، وينمّ عنه صمته المتكبر إذا صمت، وحركات رأسه ويديه المتزنة المرسومة بدقة إذا تكلّم".
وقد يرتبط وصف الصمت في بعض الحالات بطبيعة المشهد، حيث يكون متناغماً مع تفاصيل تلك اللحظة، ففي رواية "بداية ونهاية" عندما كانا حسنين ونفسية يتجهان إلى مشهد النهاية والانتحار الذي أقدمت عليه نفسية، فإن نجيب محفوظ يستخدم هذا الوصف "الصمت الجَهنميُّ" وهو مناسب لخصوصية ذلك المشهد بكل تفاصيله المروّعة "وسرعان ما وجد نفسَه يتساءل في صمت؛ أيخنقُها؟ أيحطم رأسَها بحذائه؟ لابد لصدره من مُتنفَّس! وظل الصمت الجَهنميُّ سائداً، وبينما كان يجمع عزمَه لزحزحةِ هذا الصمت تطوَّعَت هي —وهو ما عجب له— لزحزحتِه، فسمعها تُغمغم في نبراتٍ مرتعشةٍ متهدجةٍ قائلةً: لقد أجرمتُ! إني أعلم هذا. ولن أسألَك غُفراناً لستُ جديرةً به". وفي رواية "ثرثرة فوق النيل" يستخدم وصف "وقد غشَّاهم صمت جنائزي" وهذا الوصف يعبّر بدقة عن الحالة لشخصيات العوامة العابثة والتي ذُهلت بعد دهس الرجل "انطلقت السيارة في سرعة رزينة وهو يقودها واجماً، مخشّباً، وقد غشَّاهم صمت جنائزي. وأغمض أنيس عينَيه، ولكنه رأى الشبح الأسود وهو يطير في الهواء".
"الصمت الرهيب" الجميع يتذكر هذا الوصف الذي جاء في أغنية "لا تكذبي"، والتي تغنى بها المطرب عبد الحليم حافظ، وكذلك المطربة نجاة الصغيرة، ولكن نجيب محفوظ سبق كامل الشناوي صاحب كلمات تلك الأغنية في هذا الوصف. ففي "رواية أولاد حارتنا" حضر وصف الصمت الرهيب "حدجه الناظر بنظرة ازدراء وقال في (الصمت الرهيب) الذي غشي الحارة جميعاً يا عجاج، لا أريد في الحارة فتوة ولا فتونة".
إن للصمت حظوة عند نجيب محفوظ، وهذه الحظوة تجعله يوظفه في الكثير من المشاهد، بل ويستغرق في وصفه كأن يجعل للصمت صوتاً، وهذا ما نجده في رواية "الطريق" هسيس الصمت "وصمتا في الظلام حتى سمعا هسيس الصمت، وإذا به يقول: أنتِ تذكِّرينني طيلة الوقت بحديثٍ قديم، حديث إشاراتٍ متقطعة يشهد عليها هذا الظلام". وفي مشهدٍ آخر يقول "ثم لا شيء إلا الظلام وصوت الصمت".
وشخصية مثل شخصية عثمان بيومي بطل رواية "حضرة المحترم"، الذي كان يعيش حالة رهان مع الزمن لكي ينعم بمنصب مدير عام، ولأنه رجل لا يحبذ السكون، ولا فقدان الحركة والنشاط، فلابد لتلك الشخصية أن تهاب الصمت، وأن يحضر مثل هذا التساؤل: هل يبتلع الصمت كل شيء؟ "وثمل بالسعادة يوماً، وتتابعت الأيام، ماذا بعد ذلك؟ هل يبتلع الصمت كل شيء؟"، بل أنه يجعل أمر الصمت عند عثمان بيومي أعمق من حالة التساؤل إلى حد أنه يضيق بصمته "وضاق في الوقت نفسه بصمته". وحتى في لحظات عثمان بيومي الرومانسية يحافظ نجيب محفوظ على وصف الصمت بما يشبه القلق الدائم لتلك الشخصية "تترامى الصحراء أمامهما حتى سفح الجبل، ويغني الصمت بلغته المجهولة".
الحوار من العناصر الرئيسية في روايات نجيب محفوظ، وهو أيضاً من أسباب خلود شخصياته الروائية، فالحوارات عند نجيب محفوظ تعزز ملامح الشخصيات، وتؤكد رسوخها في ذاكرة القارئ، ولهذا نلاحظ عندما تتحدث شخصية مع أخرى نجد أن كل شخصية تعبر بطريقة تلائمها وتتناغم مع معطيات وجودها الروائي. ومفردة الصمت تبدو عنصراً رئيساً في حوار شخصياته الروائية، وربما لا يخلو حوار من حضور هذه المفردة –وغالباً ما يستخدم تعابير مكررة عن وصف ذلك الصمت مثل (وساد الصمت – فلاذ بالصمت – وحل صمت – وصمت ملياً) وغيرها من أوصاف الصمت النمطية، لكنه في بعض الحوارات يتجلى ويقدم أوصافاً مدهشة ومبتكرة، ففي رواية الحرافيش يقدم هذا الوصف الشاعري "واستقرَّ الصمت بإرادة الطرفيَن في وقار الليل، وفي الصمت عزفت في الآذان دقات القلوب". وفي قصر الشوق كان هذا الوصف العظيم الذي يلائم المشهد الذي كان بين ياسين وبهيجة أم مريم "وتبادَلا ابتسامة في الصمت الذي عاد فسحب ذيله بينهما، أما ابتسامتها فكانت فيما بدا تحية مُضيف لضيف، وأما ابتسامته فقد انفغمت على فمٍ حائر بهمسات الاعتداء المختنق". أما في رواية "اللص والكلاب" فإن الصمت يحضر وكأنه يخلق مسافة بين الطرفين، ونلاحظ طرافة الوصف حيث بعد أن فصل بينهما الصمت نبح في مشارف القرافة كلب.
– لا عليك، اغسلي وجهك ثم نامي!
وفصل بينهما الصمت، ونبح في مشارف القرافة كلب.
وفي الحديث الطويل بين سمير وعيسى أبطال رواية "السمان والخريف" يحضر الصمت بهذه الصورة المبتكرة "كأنَّه عثر في الصمت"، وهذا الوصف أخرج سمير من التداعي بسبب نظرة تبودلت مع امرأة كانت تقف بالجوار منهما "ولكنْ هَبِ الدُّنيا …وانقطع عن الحديث فجأةً —كأنَّه عثر في الصمت— بسبب نظرة طويلة تُبُودلت بينه وبين المرأة النصف المصاحبة للعجوز". وكامل رؤبة لاظ بطل "رواية السراب" بمعطيات خجله ومهابته من الآخرين كان أحوج شخصياته الروائية إلى الصمت، ولكن نجيب محفوظ يقدم الصمت كحالة سخرية من زملاء كامل رؤبة لاظ" رباه متى ينقضي هذا العذاب؟ هيهات أن يرثي أحد لي، وها هم الطلبة يتغامزون ويتضاحكون، وقد قال أحدهم بلهجة من يحذر إخوانه من الاستهانة بي: هكذا بدأ سعد زغلول. وقال آخر: وهكذا انتهى! وصاح ثالث: أنصتوا إلى بلاغة الصمت".
"تمطَّى الصمت حتى شمل الكون" هذا الوصف المدهش للصمت، والذي جعله نجيب محفوظ يتمدد ويختال جاء في المجموعة القصصية "الشيطان يعظ" ليس وحده الذي يجعلنا نتأمل براعة نجيب محفوظ، بل أننا نجد أوصافاً أخرى مغايرة ومختلفة مثل هذا الوصف في رواية السكرية "كان كل شيء غارقاً في الظلام، وكان الظلام غارقاً في الصمت". وكذلك في ذات الرواية وهو يجعل للصمت خاصية التنهد "وندت عن الصمت تنهيدة ثم تردد أنفاس". أو هذا الوصف المبتكر "ثم أناخ الصمت، وامتد، وطال، وعمق". أما في رواية الحرافيش فكان هذا الوصف المخيف والمتوحش للصمت، ونلاحظ أن وصف الصمت يتناغم مع الأوصاف الأخرى في هذه العبارة أز في الآذان - احترق الجو "انغرز الصمت في النفوس، وأز في الآذان مثل فحيح الأفاعي، احترق الجو بأنفاس حارة منطلقة من غرائز بدائية وحشية". وإذا كان هذا الوصف يتناسب مع عوالم الحرافيش، فإنه يقدم في رواية السمان والخريف وصفاً طريفاً للصمت، ولكنه مبتكر ومغاير، فقد أصبح الصمت مخبأ: "ورأوا ماسح الأحذية يدقُّ صندوقه حيالَهم فاختبَأوا في الصمت حتّى ذهب".
في رواية "اللص والكلاب" كان الصمت رفيق سعيد مهران، فقد كان يرافقه في خطواته الخائفة وخطواته الباحثة عن غريمه عليش الذي تسبب في سجنه، واستولى على أمواله، وأخذ منه زوجته، وعن غريمه الآخر رؤوف علوان الذي علّمه القراءة والكتابة ثم تخلى عنه، لذا جعل الصمت أحد الأشياء التي يجب عليه أن يكابدها سعيد مهران "وعليك أن تكابد الظلمة والصمت والوحدة ما دامت الدنيا لا تريد أن تغير من عاداتها السيئة"، وأيضاً كان الظلام والفضاءات التي يمشي فيها كالمقابر والطرق الموحشة محرضة على الصمت "وانتشر الظلام، نعم انتشر الظلام في الحجرة وخارج النافذة، وزاد صمت القبور صمتاً". وفي مشهد آخر كان للصمت هذا الوصف الذي يؤكد أنه يرافقه "أحنى ظهره حتى انخفض رأسه إلى مستوى ركبته، واقترب منها فوضح لأذنَيهِ أن الصمت يتخلخل بهمسات مغرقة في السر". أما هذا الوصف "ولكن لم تندَّ عن الصمت همسةٌ واحدة" فهو جاء في سياق عبارة تعبر عن الحالة التي كان عليها سعيد مهران وكيف وصف الصمت بهذا الابتكار "وعَبَر الطريق في خطوات طبيعية دون تلفّت أو حذر، ثم سار بحذاء السّور في الشارع الجانبي، وهو يتفحَّص ما أمامه بعناية شديدة، فلما اطمأنّ إلى خلوِّ المكان، مالَ فجأةً لِصْق السُّور منغرزاً في الياسمين والبنفسج، وتوقَّفَ عن أية حركة، إن يكن في القصر كلبٌ —غير صاحبه— فسيملأ الدنيا نباحاً، ولكن لم تندَّ عن الصمت همسةٌ واحدة، يا رؤوف".
إن وصف الصمت للشخصيات التي تمشي في الطرقات، أو التي تذهب للفضاءات المفتوحة من الحالات المفضلة عند نجيب محفوظ، ولهذا ابتكر هذا الوصف للصمت عندما كان ياسين في رواية "قصر الشوق" يمشي كعادته في حالة من حالات توهانه التي تأتي قبل أو بعد ارتكابه للخطايا:
"أسبلَتِ المساكن جفونها، وأقفرت الطرقات إلا من نِسمة شاردة أو ضوءِ مصباح مهوم، أما الصمت فقد خلا له الجو فتاهَ ونشَرَ جناحَيه". وكذلك يتألق في هذا الوصف لكمال عبد الجواد في "رواية السكرية" وخطوات كمال التائهة لا تشابه خطوات ياسين، حتى وإن جاءت بعد ارتكاب الخطيئة لأنه كان غارقاً في ذاته التي لا تسكنها سوى الأفكار وعايدة وهمه اللذيذ "غادر كمال بيت جليلة عند منتصف الساعة الثانية صباحاً، كان كل شيءٍ غارقاً في الظلام، وكان الظلام غارقاً في الصمت".
أخيراً، كانت هذه إضاءة لوصف الصمت عند نجيب محفوظ، وإن كان حضوره أوسع وأشمل ويرتبط بالشخصيات الصامتة، والشخصيات الصاخبة التي تصمت بعد ثرثرة، وهناك الشخصيات المتأملة التي تلوذ بالصمت، وهناك الشخصيات المسكونة بالهواجس والارتياب، فتجد في الصمت سكينة عابرة تلاطف قلقها الدائم. والأمر لا يقتصر على الشخصيات، بل هناك الأماكن مثل الصحراء والمقابر وفي فضاءاتها يتجلى الصمت بكل أطيافه.