"أصدقائي الذكور مرتبكون للغاية مع النساء هذه الأيام، لا يعرفون ما إذا كان يجب أن يكونوا عدوانيين أم لطيفين! ليس لدينا فكرة عما هو متوقع منّا، أعتقد أنني أستطيع القول بأن جميع الرجال الذين أعرفهم يتعرضون للترهيب الشديد من قبل النساء لأنهم لا يعرفون ماهية القواعد".
هذا الاقتباس من كتاب عالمة الاجتماع إيفا إيلوز "لماذا يجرح الحب"، وفيه تطرح رؤيتها عن تجربة الحب في زمن الحداثة، وكيف أن قواعد العلاقة العاطفية تأثرت بمعطيات ومؤثرات الثورة الرقمية التي ساهمت في تغيير القناعات والاهتمامات والقيم العاطفية لدى الجنسين. إن مثل هذه التحولات يرصدها علماء الاجتماع، والباحثين في مجالات أخرى، ويستقرؤون الأشكال والمفاهيم في العلاقات الإنسانية بشكل عام وفي العلاقات العاطفية بشكل خاص، وكيف أن تلك المفاهيم والثوابت والقيم مسها التغيير أو استبدلت بمفاهيم وقيم فرضها إيقاع الزمن الحالي، وفي عالم الروايات لا بد للروائي أن يكون شريكاً في مراقبة هذه التغيرات والتحولات التي تحدث في العالم بشكل عام وفي مجتمعه الخاص، لهذا عندما يكتب قصة حب فإنه سيكتبها بعوالم تلائم معطيات هذه المرحلة.
وحين نلتفت للرواية السعودية ونتأمل كيف كُتب الحب، وكيف قُدمت ملامحه وتفاصيله، سنجد أننا أمام ملامح نمطية في صورة الحب، فقد كان الروائي يجد في موضوع الثنائية ما بين المحافظة والانفتاح في المجتمع بيئة روائية خصبة للكتابة، لكن تدوين تلك الثنائية في الروايات تُنمط وتكرر، لأن الروائيين والروائيات كانوا ينظرون لتلك الأزمة برؤية متشابهة ومن ذات المسافة. إن العواطف والمشاعر ثابتة، ولكن طرق التعبير عنها تختلف وتتغير باختلاف الزمن، ولو تأملنا قصائد الغزل لوجدنا تأثيرات الزمن واضحة في مفاهيم الحب التي تقدمها تلك القصائد.
وفي حال تأمل الرواية السعودية وكيف قدمت الحب، سنجد تأثير الزمن واضحاً في تقديم ملامحه وأشكاله والرؤية التي كتبت بها، ولكن لأن روايات البدايات السعودية والتي كان محورها الحب كانت روايات ضعيفة فنياً، ولأنها لم تقدم سوى نماذج مكررة للحب الكلاسيكي المنسوخ من الأدب والسينما المصرية، فإنها لم تقدم النماذج التي تسكن الذاكرة. ففي التسعينيات والألفية الأولى كانت الرواية السعودية مشغولة بتقديم القضايا الاجتماعية، ومع هذا كانت هناك حكايات حب في بعض الروايات ولكنها كانت على هامش النص، لأن الانشغال كان بتقديم تلك القضايا ولم يحضر الحب إلا كونه أحد ملامح الصراع في تلك القضايا الاجتماعية، ولكن عندما نتأمل الروايات العاطفية والتي كان محورها الحب سنجد نماذج مثل "جمانة وعزيز في رواية أحببتك أكثر مما ينبغي" لأثير النشمي، "ومها وناصر في رواية سقف الكفاية" لمحمد حسن علوان، وكذلك "سديم وفراس في رواية بنات الرياض" لرجاء الصانع"، ورغد ووليد في رواية أنت لي "للكاتبة منى المرشود، والملاحظ أن القاسم المشترك بين هذه الروايات العاطفية هو أن جمهورها شريحة محددة من القراء، بينما تتحفظ شرائح أخرى على الجانب الفني في تلك الروايات. كذلك حضرت بعض النماذج العاطفية كقصص فرعية في بعض الروايات مثل قصص الحب في رواية البحريات، وتحديداً علاقة سعاد بمتعب، وكذلك رحاب بشخصية عمر الحضرمي، وفي رواية "الوارفة" علاقة الجوهرة بالأعرابي. إن أميمة الخميس لا تولي الحب كل الاهتمام في رواياتها، ولكن تحت مظلته تكتب الحالة الاجتماعية لمدينة الرياض. كذلك نجد هناك حباً مختلفاً في رواية "شارع العطايف" بين شنغافة ومعدية، وفي رواية "ارتياب" لبدر السماري نجد نموذج "غزيل وذيبان"، وسنجد أيضاً نماذج عاطفية في الكثير من الروايات السعودية الأخرى، ولكن تلك النماذج كانت مغمورة تحت ضاغط الهم الاجتماعي الذي كتبت فيه تلك الروايات، لذا سنجد أن الروايات التي عالجت قضايا المجتمع من زمن السبعينيات وحتى زمن الألفية الأولى روايات قدمت العلاقات الإنسانية وتحديداً العلاقة ما بين الرجل والمرأة في صورة مكررة. الرجل المستبد والمرأة المقهورة، ومن يقرأ حكايات الحب في الرواية السعودية لن يجد الحب الخالص، ولكن سيجد قضية اجتماعية وراء ذلك الحب. هذا، إضافة إلى محور التشدد الذي هيمن على موضوعات تلك الروايات.
والإشكالية المهمة في هذا الجانب أن الكثير من الروايات السعودية لا تكتب حكاياتها عن زمن اللحظة الحالية وإنما ترتحل إلى الماضي، ولهذا فهي عندما تكتب ذلك الحب فإنما تكتبه بملامحه التي كانت في زمنه الماضي، ولهذا أيضاً سنجد في الألفية الجديدة أن الروائيين والروائيات لا يكتبون لحظتهم، لكنهم يذهبون إلى الماضي فيكتبون الحب بمعطيات تلك الأزمان القديمة، ويغيب عنهم تدوين لحظتهم الزمنية، بل أن الكثير منهم لا يولي جانب الحب أهمية كبرى، وذلك بسبب طبيعة مواضيع تلك الروايات التي منها الرواية التاريخية أو الفنتازية.
والآن، وبعد عدة سنوات، شهدنا فيها حياة نستطيع أن نقول عنها حياة جديدة ومختلفة، لامست المتغيرات فيها كل مفاصل الحياة، وتوارى من المشهد خطاب التشدد، وأصبح الجميع يعيش لحظة تنويرية تلامس كل تفاصيل يومه وحياته، وتم تسوية أهم الملفات التي كانت تشغل تفكير المجتمع وهو ملف المرأة، فإنّ هذه الحياة الجديدة بكل معطياتها الاجتماعية والاقتصادية، وبوجود وسائل التواصل الاجتماعي، لابدّ أن تلقي بأثرها على حياة الفرد. لا بد أن هناك مفاهيم وقيماً وأفكاراً قد اختفت أو تزحزحت وحلّت محلها مفاهيم وقيم أخرى، وهذه هي طبيعة التغيير. وإذ ينعكس أثر هذا التغيير على المجتمع، فلعلّ الروائي هو من سيلحظ ويرصد ويحلل هذه المتغيرات ويدونها في روايته، لا على شكل قضية اجتماعية، ولكن كحكاية سردية مكتوبة بفن.
إنّ علاقات الحب، برتم هذا الزمن، لا يمكن أن تكون كحكايات السنوات الماضية، فالمرأة تغيرت، وتغيرت مواقفها وأولويات حياتها، بل وتغيّر مفهومها للمشاعر، ولم يعد الرجل وحده صانع السعادة في حياتها. إنّنا نشهد الآن نماذج نسائية لم تكن موجودة في السابق، وهو ما يؤثر على أمورٍ كثيرة، ومنها عاطفة المرأة العاشقة. الرجل أيضاً تغير، سواء بتفاعل تلقائي مع ما يشهده في لحظاته اليومية أو بتفاعل براغماتي حتى لا يفوته القطار، فأصبح هناك نماذج من الرجال المختلفين عما كانوا عليه في السابق، من حيث الشخصية والأفكار. حتى وإن بدا هذا التغيير لدى البعض منهم شكلانياً في بعض التفاصيل، إلا أنّه تغيير على أية حال، لذا سنجد أن هناك حكايات حب مختلفة وعشاقاً مختلفين، ولكن من هو الروائي الذي سيدوّن هذه اللحظة ويعتني بها؟ من تُراه سيتعمق في تفاصيلها ويجعلنا نرى ملامح التغيير في شكله الروائي؟