قبل أكثر من خمسة وأربعين سنةً، عَرِف بوب مارلي من الأطباء أنه يعاني من سرطان الجلد، أخبروه كذلك أن أفضل خيار علاجي سيكون بتر إصبع قدمه الذي يحتضن الورم الخبيث. لم يفكر مارلي مرتين وأخبرهم بقراره فوراً، قراره الذي ينبع من كونه راستافاريّ يرفض الاستغناء عن جسده ولو كان المقابل الحياة نفسها.
فنان شامل:
بعد ستة وثلاثين عاماً على تلك الحادثة وفوق أرصفة العتبة بقاهرة المعز صرخ فنان آخر بنفس الرغبة، لم ينجح الفقر أو التشرد، ولا حتى البرد في إرغام محمد حسين بَهنس أن قطع يده ومدها للمارة. كان بهنس يحمل نفس روح بوب مارلي، نفس خصلات الشعر المتمردة والأهم من ذلك أنهما كانا يتشاركان نفس الرؤية الساحرة للعالم.
عبر سنواته السريعة فوق هذه الأرض، كانت روح بهنس تحمل ألواناً متعددة تماماً مثل لوحاته ومثل ميوله الفني الذي لم يرضخ لمجالٍ واحد فحسب؛ فقد كتب بهنس الراوية ونظم الشعر، ورسم اللوحات على الكانفس وبالنور نفسه فهو كان يتقن الرسم الضوئي. امتهن بهنس الدراما في المسرح لأن عبقريته لا تكمن في إجادته لكل هذه الفنون فحسب؛ بل تمضي لأبعد من ذلك كونه لم يدرس الفن مطلقاً في المعاهد أو الكليات، كان الرجل يلتقط الفن من عصب الحياة ويجسد مقولة الفنان الصيني المعاصر آي ويوي: "الحياة هي الفن والفن هو الحياة، أنا لا أفصل بينهما أبداً". كما أن بهنس بترحاله الكثير حول العالم بين السودان وفرنسا ومصر قد حقق اقتباس سيغموند فرويد عرّاب علم النفس الحديث الذي يقول فيه أنه عندما لا يجد الإلهام فإنه لا يظل ساكناً؛ بل يلاحقه، يتحرك على طول الطريق ليجد غايته وليجد جرعته الكافية حتى يحقق ما يريد، وهذا بالضبط ما حدث لبهنس بإدراكه أو بدونه.
تداعي العوالم:
مع نهاية تسعينات القرن المنصرم أصدر بهنس روايته "راحيل" التي أحدثت ضجة في الوسط الثقافي السوداني إلى الحد الذي يجعل البعض يتوقع ميلاد "طيب صالح" آخر للبلاد، لم تكن العبقرية السردية هي وحدها وجه الشبه بين هذين الأيقونتين، لكن المهجر كان كذلك قاسماً مشتركاً ومحطة قسرية في حياتيهما. انتقل بهنس إلى العيش في فرنسا رفقة زوجته الفرنسية التي كان قد التقاها في المعهد الفرنسي بالخرطوم وهو مكان ضمن أماكن أخرى اعتاد الراحل أن يتردد عليها مثل معهد كمبوني الذي كان يقيم به جلسات موسيقية بصورة دورية.
وقعت المرأة في حب بهنس بصفته إنساناً، ووقعت فرنسا في حب الرجل الفنان الذي هو عليه فعرضت بعض من أعماله بقصر الإليزيه ومازالت موجودة حتى الآن. لكن سرعان ما تبدلت الأوضاع بالنسبة لبهنس عندما انفصل عن زوجته عام 2005، وأرغمته السلطات على مغادرة فرنسا لتخلف في قلبه جرحاً غائراً وربما كانت بداية النهاية بالنسبة له إذ أن عودته إلى أمدرمان لم تكن حميمية بتاتا،ً فوجد أن والدته قد توفيت قبل ثلاث أعوام وشقيقه قد توفى في بريطانيا فدخل في عزلة وانقطاع عن الآخرين، عزلة ربما كان يعتقد أصدقاؤه أنها ضرورية ولربما تحيي في أوصاله روح الفنان لكن هذه لم تكن سوى رومانسية حالمة وجاهلة بالعملية الابداعية التي يناقش فيها غابرييل غارسيا ماركيز رأيه بوضوح حيث يرى أن على الكاتب أن يكون في أفضل حالاته النفسية والجسدية ليفتح بوابات الفنون المختلفة وهو بالتأكيد لم يكن الحال بالنسبة لفقيد الفن السوداني.
وبعد سنوات لاحقة، تلقى بهنس دعوة للمشاركة في إحدى معارض القاهرة الفنية، لكن بعد وصوله إلى مصر قرر الإقامة فيها بصورة دائمة، ترك بهنس كل شيء وشعر أن السودان لن يسعه بعد أن رحلت والدته، لكنه كان يعلم قسوة القاهرة، وعاش في عالمها السريع حيث كتب الروائي السوداني منصور الصويم أن بهنس في إحدى زياراته للسودان قد أخبره: "البرد هناك لا يطاق، هنا الدفء". الغريب في الأمر أن بهنس كان يعي جيداً ماهي الغربة حيث إن التمثال الذي نحته والموجود على شاطئ مارسيليا والذي يحمل اسم "التلاشي في الغربة" كان يعالج هذه المعضلة الأزلية بالذات، لكن أعتقد أنه كان مدفوعاً بحاجة الفنان القهرية لإيذاء نفسه.
إهداء الفوضى:
"وجه الاختلاف بين الفن الجيد والفن العظيم أن الأخير يسافر عبر الزمن ويصلح لكل الفترات ويمكن تأويله وإسقاطه على عدة أوجه ومناسبات أخرى عديدة".
لم أستطع كبح تفكيري لمعرفة قصد بهنس عندما ذكر كلمة الدفء خصوصاً أنني أعتبره يجيد فن الاسقاط ببراعة، هل كان يعني الدفء الجسدي الذي افتقده في أوروبا والقاهرة بسبب عوامل المناخ أم الدفء الذي كان يطوق روحه عندما كان برفقة زوجته وطفله الوحيد، أم هو الدفء الذي اختص به الله الأمهات ليغمر المنازل وأحس بغيابه مع وفاة والدته، أم دفء الوطن الذي لا يدرك المرء ماهيته إلا عندما يغيب هو أو يغيب الوطن وهو تماماً ما نشعر به حيال السودان. السودان الذي كان في رأيي هو المقصود في قصيدة بهنس التي ضجت وأحدثت جلبة.
قصيدة "بهديك الفوضى" ناقشت العزلة والوحدة وعدة مظاهر اجتماعية في السودان، لكن ماذا كان يعني شجار الطفلين في تلك الروضة لبهنس، هل رأى في وقتٍ ما شجار الجنرالين الذي استمر منذ قرابة العام في هذه البلاد الصامتة تربتها؟ وماذا كان الليل أكثر من البرد بالنسبة له؟ وأيّ إثم ارتكبته البلاد لترث هتافات الموتى الحانقة، وأي تهميش نالته من التاريخ حتى يكون نصيبها حديث في مركبة عامة بصوت واطي. لم ينل بهنس حظه الكافي من الاهتمام فتوفي بسبب برد القاهرة المظلم، لم تلحظه البلاد التي كانت مشغولة بأشياء أكثر دموية في عصر كان يطوقه الظلام، لكن بعد ثلاثة عشر عاماً أصدر الكاتب الشاب إبراهيم الإعيسر كتاباً بعنوان "إبستيمولوجيا الجنون والفنون" وأهداه إلى روح محمد حسين بهنس: "في علياهُ أهديك شيئاً من الجنون والبوهيمي".
إهداء اعتبره تصاهر ونقطة التقاء بين جيلين مختلفين يحملان هموماً مشتركة، جيل تعرض للتهميش وجيل آخر عرف ماهية التهميش ويحاول قتاله لا بالفردية، ولكن باعتناق الآخرين وتخليد ذكراهم. هو إهداء يحمل في طياته حزن متجدد للوسط الثقافي السوداني الذي لم يلقَ الاهتمام الكافي منذ الخليقة، هو إهداء لبهنس الذي أهدى البلاد الكثير من الفن والتراجيديا فأعطاه إبراهيم وردة، وردة للرجل الفقير الذي يعلم الآن حال البلاد ويعلم أننا الآن نقف بين جبلين، وأن فقدنا قد لا يلقى دَين.